|
|||||||
|
وفق معطيات ووقائع ما يجري على أرض فلسطين المحتلة عام 1948 فإن الكيان الصهيوني ليس فقط لم يتوقف عن مشاريع المصادرة والتهويد ضد الأرض والمكان الفلسطيني هناك، بل زاد من هجومه وحربه الشاملة على أهلنا هناك، فصعّد اليمين الإسرائيلي المتطرف حملته ضد فلسطينيي عام 1948، حيث دعا النائب أوري ارئييل إلى "ضرورة وضع برنامج تفصيلي لدفعهم إلى الهجرة من المدن الساحلية وباقي التجمعات العربية، وإثارة الرأي العام الإسرائيلي وتجنيده لتحقيق هذا الهدف". وقد عقد اليمين مؤتمره العنصري الأول من نوعه في مدينة الرملة، بمبادرة عضو "الكنيست" رئيس كتلة "الاتحاد القومي ـ المفدال" أوري أرئييل، بهدف "تشجيع العرب على الهجرة من المدن الساحلية (اللد والرملة ويافا وحيفا وعكا) أساساً، ومن باقي أرجاء فلسطين المحتلة عام 48"، وقال ارئييل خلال المؤتمر: "إن المدن المختلطة تشهد هجرة سلبية لليهود، وبالتالي، يجب تطويرها من خلال مشاريع اقتصادية، وإيجاد أماكن سكن للأزواج الشباب والطلاب، بهدف تثبيت اليهود فيها من خلال تقويتهم ودعمهم لمحاربة البناء غير المرخص، والإجرام المتفشي لدى العرب". ويعتقد المراقبون وفقاً لذلك، أن إقدام عصابة يهودية متطرفة مساء السبت 8/10/2011 على الاعتداء على مقبرة الكزخانة الإسلامية وكذلك مقبرة طائفة الروم الأرثوذكس في مدينة يافا، وانتهاكها حرمات القبور بتهشيم وتخريب عدد من القبور وكتابة شعارات عنصرية باللغة العبرية، وكتابة عبارات عنصرية مسيئة للعرب كـ"الموت للعرب", ليست سوى خطوة تصعيدية في إطار مشروع صهيوني متكامل يهدف إلى تنظيف المدن العربية المختلطة المتبقية في فلسطين، وما امتداد عصابات "جباية الثمن" ـ التي بدأت بالاعتداءات على الأملاك والمقدسات العربية في الضفة الغربية، إلى داخل فلسطين 48 حيث اعتدت على مسجد قرية طوبا وأضرمت النار به ـ إلا تكامل مع مخططات الدولة الصهيونية وجماعاتها الإرهابية المنتشرة في كل مكان. إن كيان الاحتلال لم يكتف عملياً بما هدمه من قرى ومنازل عربية وبما صادره من أراض وممتلكات ومن حضارة وتراث وتاريخ، ولم يكتف أيضاً بتهويد الجغرافيا والتاريخ، وإنما يخطط ويبيت ويسعى لاقتلاع وترحيل من تبقى من أهل فلسطين بوسائل مختلفة، ويسعى لإلغاء وجودهم تاريخياً ووطنياً وسياسياً وحقوقياً. وهكذا إذن نحن أمام استفحال للعنصرية الصهيونية التي يحتل فكر الاقتلاع والترحيل ـ الترانسفيرـ فيها مكانة الجوهر والأساس، فكلهم يُجمِعون على الخطر الاستراتيجي للديموغرافيا الفلسطينية، وعلى أنه لا حل لها سوى بالتخلص منها، كي تصبح "دولتهم يهودية نقية من العرب"…!. وهكذا هي الأمور وهذه هي الحقيقة الساطعة، فالأصل فيما يجري في يافا وكل مدن فلسطين 48 إنما هو ذلك الصراع السياسي السيادي الوطني الوجودي الكامن تحت الرماد بل وفوق الرماد في معظم المراحل الزمنية. فالمعركة إذن على المدن الفلسطينية التاريخية وعلى الهوية والمسميات وعلى كافة الملفات الفلسطيني التي تسعى دولة الاحتلال إلى شطبها بالكامل…!. ولكن المؤسف دائماً ذلك الغياب العربي الإسلامي عن لعب دور حقيقي ومسؤول في التصدي للمشروع الصهيوني. تطرف وعنصرية لربما يفضل نتنياهو أن تنحصر معاركه السياسية والميدانية مع الفلسطينيين، وحتى مع أطراف أخرى شرط أن تحتدم هذه المعارك على خلفية الموقف من القضية الفلسطينية. فعلى الرغم من الاستقبال الباهت الذي قوبل به خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أن ما تحدث به هناك وجد صداه الإيجابي في أوساط المجتمع الإسرائيلي الذي يتسع فيه المد اليميني والتطرف العنصري. وكان نتنياهو حريصاً منذ خطابه في بار إيلان (14/6/2009) بُعَيْدَ تشكيله الحكومة الإسرائيلية، أن يقدِّم نفسه كحريص على إعادة الاعتبار للصهيونية, حيث تحدث مطولا عن أهمية السياسة التوسعية الإسرائيلية في أجندة حكومته عبر تشجيع الاستيطان في جميع أنحاء الضفة الفلسطينية وخاصة في القدس التي أكد في خطابه أنها ستكون العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل. قبل ذلك بسنوات (2005) وقف في وجه شارون عندما كان الأخير رئيساً لليكود وللحكومة ورفض خطة الانسحاب من قطاع غزة على خلفية رفضه فكرة الانسحاب من حيث المبدأ من أي أرض فلسطينية محتلة. واستخدم نتنياهو لاحقاً ـ بعد تسلُّمه الحكومة (2009) ـ أسلوب المناورة السياسية أمام المجتمع الدولي عندما وافق شكليا على تسوية صورة الصراع وإتاحة المجال لقيام دولة فلسطينية، واستطاع بالممارسة العملية أن يختصر آفاق قيام هذه الدولة في عتبة الشروط الأمنية والتوسعية الإسرائيلية. وخلال أدائه السياسي على رأس حكومتين إسرائيليتين (1996 ـ 1999/2009..) لم يسمح نتنياهو لأي طرف في ائتلافه الحكومي لأن يزايد عليه في مجال التطرف اليميني، وإن سمح أحياناً لأفيغدور ليبرمان، رئيس حزب إسرائيل بيتنا لأن يعلي نبرة عنصريته من أجل استخدامها أمام المجتمع الدولي ليظهر أنه أقل "خطراً" على العملية السياسية من غيره. لقد فشلت تسيفي ليفني في تشكيل الحكومة الإسرائيلية بعيد انتخابات الكنيست في العام 2009 على الرغم من أن حزبها (كاديما) حاز على أكبر عدد من المقاعد من بين الأحزاب الفائزة (28 مقعداً). ونجح نتنياهو في تحقيق هدفه بمساعدة باراك وأفيغدور ليبرمان وأزاح ليفني التي وجدت نفسها وحزبها على مقاعد المعارضة منذ ذلك الوقت إلى الآن. وعلى الرغم من أن كثيراً من المراقبين توقعوا حينها أن يلاقي نتنياهو صعوبات جمة في قيادة الائتلاف اليميني الذي شكله، إلا أن رئيس الوزراء عزّز الائتلاف، بحزب يميني آخر، لتتسع شبكة "الأمان" التي يتمتع بها في الكنيست. ومع ذلك بقي الائتلاف في وضع غير مستقر، وتوقع كثيرون أن ينفرط عقده في حال جرى الخوض مجدداً في عملية التسوية السياسية مع الجانب الفلسطيني بسبب اعتراضات عدة من قبل أكثر من طرف في الائتلاف على فكرة الانسحاب الإسرائيلي من مناطق في الضفة الفلسطينية وخصوصاً القدس. وجد نتنياهو نفسه أمام تحد من نوع مختلف إثر خطاب أوباما في القاهرة (4/6/2009) وهو يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية معبِّراً عن تضامنه مع التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في دولة خاصة به، وزاد على ذلك بأن دعا إلى تجميد الاستيطان في الأراضي الفلسطينية. خطاب أوباما جاء في سياق مناخ مستجد تكثفت فيه الجهود من أجل إحياء عملية التسوية السياسية إثر توقفها في نهاية العام 2008، وشكل الخطاب عامل تشجيع لأطراف عدة من بينهم المفاوض الفلسطيني الذي وجد في دعوة أوباما لإقامة الدولة الفلسطينية والمطالبة بتجميد الاستيطان خطاباً أمريكيا "جديداً". لم ينتظر نتنياهو طويلاً للرد على خطاب أوباما، فرفض في خطاب مضاد (بار إيلان ـ 14/6/2009) مسألة تجميد الاستيطان واعتبره شأنا إسرائيليا خالصا، ورأى أن البناء الاستيطاني في القدس كما هو في تل أبيب، وأكد مجددا على وحدة القدس كعاصمة أبدية لإسرائيل. وعلى الرغم من أن أركان المجتمع الدولي وأطرافاً عربية توصلوا إلى قناعة بأنه يجب عدم التأخير في إطلاق المفاوضات، إلا أن نتنياهو رفض بشكل مطلق المطالب الفلسطينية التي قالت بضرورة الوقف التام والشامل للاستيطان وتحديد مرجعية المفاوضات، وهو السبب الرئيس الذي أدى إلى فشل لقاء نيويورك الثلاثي (20/9/2009) بحضور أوباما وعباس ونتنياهو. ما دفع الإدارة الأمريكية لأن تعلن بأن الاتصالات ستبقى نشطة مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بما يوحي بمفاوضات غير مباشرة تمهد لفتح ملف التسوية مجدداً. لقد وضع الرفض الإسرائيلي لتجميد الاستيطان المراقبين أمام تساؤلات فيما إذا كانت الإدارة الأمريكية ستوجه ضغوطاً نحو تل أبيب ربطاً بمضمون خطاب أوباما. وقد حصلت تجاذبات بين الطرفين، لكن نتنياهو واجه واشنطن بسلاح ائتلافه اليميني الحاكم، وزعم أنه لا يستطيع الاقدام على أي خطوة تمس استمرار الاستيطان لأن ذلك سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي في إسرائيل. وفي هذا السياق، وبشكل منهجي "صدحت" جوقة الأصوات المعارضة لمواقف أوباما من داخل الائتلاف اليميني الحاكم، وتم تشجيع أوساط المستوطنين لأن يقوموا بتحركات ضد التوجه الرسمي الأمريكي، وأطلقت أصوات تصف أوباما بأنه "عدو إسرائيل" وأن مواقفه غير مستغربة باعتباره من "الأغيار". يمكن القول إن الحملة الشعواء من قبل مكونات اليمين الإسرائيلي المتطرف ومعها قوى الضغط الأمريكية المؤيدة لإسرائيل قد فعلت فعلها في مضمون خطاب أوباما الذي تراجعت إداراته. وبذلك خرج نتنياهو "منتصراً" وشعرت معه أحزاب الائتلاف الحكومي بالثقة بالنفس، وانعكس الأمر على أيهود باراك الذي وجد نفسه معزولا فلجأ ـ كعادته ـ إلى استرضاء نتنياهو واشتغل كبلدوزر لشق الطريق داخل أوساط الإدارة الأمريكية لتمرير مواقف رئيس الوزراء، وختم بأن وقف مع نتنياهو ضد حزبه هو، فعمد إلى شق قيادة حزب العمل وخرج منه مصحوبا بأربعة نواب من الكنيست وشكل كتلة جديدة باسم "كتلة الاستقلال" وبذلك استقر لنتنياهو ائتلافه الحكومي، وقبل ذلك استطاع أن يهزم خصومه في الليكود بعد أن وظف فوزه في التجاذبات مع واشنطن في معركته معهم. وهكذا ربما لم يشهد أيُّ عام في إسرائيل من حملة عنصرية ضد الفلسطينيين، كما شهده العام 2010 من خلال قيام الكنيست بإصدار قوانين وتشريعات عنصرية استهدفت الفلسطينيين بمن فيهم فلسطينيي الـ 48. فمن "قانون النكبة" إلى قوانين مصادرة الأملاك والأراضي بإحياء "قانون أملاك الغائبين" والتضييق على سكان القدس الفلسطينيين وإحياء القانون العنصري الذي هدد بإبعاد سكان القدس والضفة إلى أماكن أخرى تحت إدعاءات قانونية وإدارية مختلفة. في الوقت نفسه، تم تشجيع المستوطنين للقيام باعتداءات على التجمعات الفلسطينية وقاموا بإحراق محاصيلهم وقطع أشجارهم وتسميم آبارهم ومصادر مياههم، وإلى جانب ذلك قامت سلطات الاحتلال بأوسع حملة هدم لمساكن الفلسطينيين في القدس الشرقية. وعلى الرغم من إدعاءات نتنياهو بتجميد الاستيطان، نشط البناء الاستيطاني في جميع أنحاء الضفة وخاصة القدس الشرقية، وأطلق العنان للعطاءات الاستيطانية تحت دعوى البناء العام والنمو الطبيعي وحق المستكتبين اليهود بالحصول على شقق سبق أن تعاقدوا مع الحكومة حولها. على هذا، فإن ما تم طرحه من قبل أطراف اللجنة الرباعية حول مسألة الاستيطان وهدم منازل الفلسطينيين لم يجد صدى عملياً له في السياسة اليومية الإسرائيلية بالمقابل لم تجد الممارسات الإحتلالية الإسرائيلية أي رد جديد من قبل هذه الأطراف. وهذا الأمر شجع حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة أكثر على الإيغال بمشروعها التوسعي، وسَعَتْ في الوقت نفسه إلى وضع المجتمع الإسرائيلي أمام مقولة الخطر الوجودي الذي يتهدده بما في ذلك من داخل أراضي الدولة الفلسطينية في حال تم "السماح" بقيامها. وساهم ذلك في تعميق المد اليميني والتطرف العنصري في أوساط المجتمع الإسرائيلي وبينت استطلاعات الرأي الإسرائيلية المتتالية على نمو النزعة العنصرية ونزعة العداء الموجه ضد الفلسطينيين. في ظل هكذا مناخ يجد نتنياهو نفسه في وضع مريح يمكِّنه من الحفاظ على موقعه وعلى موقع الائتلاف الذي يحكمه في رأس هرم السلطة في إسرائيل، ومن المتوقع بشكل حتمي أن تستمر هذه السياسة التي تشكل بالنسبة لنتنياهو وحكومته الوقود اللازم لاستمرارهم في السلطة على حساب الحقوق والطموحات المشروعة للشعب الفلسطيني. وفي أعقاب خطاب نتنياهو الذي ألقاه في الأمم المتحدة قالت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية (26/9) إن نتائج استطلاع جديد أجري لمعرفة مواقف الجمهور الإسرائيلي في حال أجريت انتخابات جديدة للكنيست، أظهرت تقدماً لحزب العمل الإسرائيلي، بعد أن رست انتخابات رئاسة الحزب لصالح شيلي يحيموفتش على حساب عمير بيرتس، بـ22 مقعدا في الكنيست ليحتل المركز الثاني خلف حزب "الليكود" بقيادة نتنياهو الذي حصد، وفق الاستطلاع، 26 مقعداً متقدماً عن الاستطلاع الماضي بمقعد واحد. وخسر حزب "كاديما" الذي تتزعمه تسيبي ليفني، خلال هذا الاستطلاع الذي أجرته شركة ديالوغ الإسرائيلية بإشراف دائرة الإحصاء في جامعة تل أبيب، 4 مقاعد ليتراجع إلى 18 مقعدا محتلا المركز الثالث إلى جانب حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان، الذي رجحت نتائج الاستطلاع الجديد ارتفاعاً في عدد مقاعده لتصل إلى 18 مقعداً بعد أن كانت 15 في الاستطلاع السابق. وأشارت نتائج الاستطلاع إلى أن 11% من الجمهور الإسرائيلي فقط يعتبرون أن احتمالات السلام ازدادت في أعقاب خطابي رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو والرئيس الفلسطيني أبو مازن في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مقابل 54% اعتبروا أن الوضع لن يتغير، و16 % رجحوا احتمال انفجار العنف. وقال 45% من الجمهور الإسرائيلي إنه غير راض عن أداء نتنياهو كرئيس للحكومة، فيما ارتفعت نسبة الرضى عن أدائه إلى 41 %، حيث كانت في الاستطلاع السابق 32%. نظام أبارتهايد لم تقتصر سياسة التمييز العنصري التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، على الأوامر العسكرية التي كانت تصدرها في صيغة قوانين منذ بدء احتلالها للضفة والقطاع عام 1967، ولا على القوانين التي كانت تقصد من خلالها التضييق على حياة وحرية وحقوق شعبنا الفلسطيني داخل مناطق 1948، بل تعدت تلك السياسة ذلك إلى نظم الأوامر والقوانين والإجراءات والأنظمة والشروط، لتطال كل جوانب حياة شعبنا، الإنسانية، والاجتماعية، والصحية، والاقتصادية، والأمنية، إضافة للملكية الخاصة التي تُنتهك كل يوم بفعل الأوامر العسكرية بمصادرة الأراضي وإقامة المستعمرات الكولونيالية فوقها، وكذلك إقامة الحواجز العسكرية لإذلال أبناء شعبنا وعرقلة حركتهم أو منعها، بما يحول دون أي تواصل اجتماعي أو اقتصادي أو تعليمي، ويحول دون إمكانية إحداث أي تطوير وتطور على أي من البنى التحتية التي نحن بحاجة لها، أو في أي مجال زراعي أو صناعي أو تجاري. ولم تكتف إسرائيل بذلك كله، فقامت بإنشاء جدار فصل وعزل عنصري، بهدف مصادرة المزيد من الأراضي وضمها نهائياً لإسرائيل، وبهدف فصل مناطقنا الفلسطينية بحيث تصبح كانتونات معزول بعضها عن البعض الآخر، بحيث لا تبقى هناك إمكانية مستقبلية لبناء دولة فلسطينية، ولتمكين شعبنا من ممارسه حقه الأساسي والمشروع في تقرير مصيره. كما أن التهجير الذي قامت به إسرائيل وعصاباتها المسلحة بالقوة لأبناء شعبنا عام 1948، وتشريدهم في مخيمات اللجوء هنا وهناك، وهدمها لمئات القرى، وتنفيذ المجازر الجماعية في العديد منها في تلك الأثناء، وتنفيذ مجازر مماثلة فيما بعد في قبية ونحالين وفي مخيمي صبرا وشاتيلا وفي قطاع غزة ومخيم جنين، وأعمال قتلها خلال الانتفاضة الأولى التي اندلعت عام 1987، وخلال انتفاضة النفق وانتفاضة الأقصى، إنما تؤكد ولوغ حكومات إسرائيل وقوات جيشها في الدم الفلسطيني والعربي، وتؤكد أن النظرة العنصرية التلمودية هي التي مازالت تحكم سلوك وتصرف حكام إسرائيل والعديد من أحزابها اليمينية المتطرفة. فالفكرة الصهيونية تعتبر اليهودي أنه هو المميز وصاحب الحق، وأن العالم إنما خلق من أجله وتكريماً له وحده لا من أجل غيره. وما المطالبة بإيجاد دولة يهودية نقية إلا مثالٌ واضح على ذلك، كما أن فكرة العمل اليهودي فقط والإنتاج العبري فقط، التي شاعت قبل أن تعلن إسرائيل عن قيامها كدولة خلال زمن الانتداب البريطاني على فلسطين، كانت مثلاً واضحاً آخر على الأفكار والتوجهات والسلوك العنصري الذي ينطلق من خلاله اليهود في اتجاه تحقيق "أحلامهم"، فالنظرة الصهيونية في فلسطين انطلقت من أن فلسطين أرض بلا شعب من المفترض أن تكون منحة لشعب بلا أرض، هذا الشعار وحده يظهر عمق عنصرية وعدوانية إسرائيل، وسعيها إلى الاستيلاء على كامل أرض فلسطين، وإجلاء شعبنا عنها لتحل محله جماعات مستوطنيها وأفرادها الذين يحيون بأفكار خارج الميتافيزيقيا والتاريخ، فأولئك ما زالوا يعتقدون أنهم هم البشر الإلهيون الذين على الآخرين أن يكونوا دائماً خدماً لهم. لقد نظر المجتمع الدولي لسياسات وممارسات التمييز والعزل العنصري على أنها جريمة يجب معاقبة الدولة التي ترتكبها، فقد أصدر المجتمع الدولي ميثاقاً تحت عنوان "الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الأبارتهايد والمعاقبة عليها" بعد أن ارتكب نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا مجزرة "سويتو"، وأوضح الميثاق الذي أصبح جزءاً من القانون الدولي أن الأبارتهايد يعتبر جريمة غير مقتصرة على جنوب أفريقيا بل هو جريمة يمكن أن ترتكبها أية دولة، وأن المجتمع الدولي منوط باتخاذ كافة الإجراءات القانونية والإدارية والإقتصادية بحق أي دولة ترتكب جريمة الأبارتهايد، عبر فرض العقوبات والمقاطعة الشاملة ومحاكمة الجناة حتى تنتهي الجريمة. غرباء في وطنهم إن مأساة الشعب الفلسطيني تتجسد بأوضح صورها في النقب، حيث تتشابك خطوط المؤامرة ، فمن هدم المنازل إلى مصادرة الأراضي إلى الحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية مثل التعليم والصحة. وعندما نتحول إلى لغة الأرقام ، نجد أن 70 ألف مواطن عربي يقطنون في 45 قرية غير معترف بها من أصل 130 ألف هم سكان النقب العرب، يملكون 3.1% من مساحة النقب البالغة 12.215 كم2. ولم تتوقف إسرائيل يوماً عن ممارسة شتى أساليب القمع والترهيب ضد عرب النقب، بهدف دعم مشروع تهويد النقب بشكل تام، سواء بالاستيلاء على الأرض بالقوة، أو تضييق الخناق على القرى والمدن الفلسطينية وهدم المنازل وتشريد ساكنيها، وتدمير مقومات الاقتصاد العربي هناك، فخطة التقشف التي بلورتها وزارة المالية الإسرائيلية الحالية تشتمل على إلغاء الامتيازات الضريبية (إن وجدت) للمدن والقرى الفلسطينية في النقب، ووصل الأمر أقسى درجات العنصرية هذا العام عندما قامت الحكومة الإسرائيلية برش الأراضي الزراعية لعرب النقب بمواد كيماوية سامة، الأمر الذي أدى إلى تسمم عدد من السكان. فللمرة العاشرة على التوالي وقبل أيام قليلة، قامت الجرافات الإسرائيلية باقتلاع أربعين منزلاً بقرية العراقيب الواقعة داخل عمق فلسطين المحتلة عام 1948، وتحديداً شمال مدينة بئر السبع في منطقة بادية النقب، وهي القرية التي تقع على بعد حوالي (110) كيلومترات جنوب مدينة القدس. كما أخلت نحو ثلاثمائة من سكانها، بحجة البناء دون ترخيص، في قرية تعد واحدة من (46) قرية بدوية عربية فلسطينية في منطقة النقب لا تعترف "إسرائيل" بها, ويقطنها نحو (100) ألف عربي من بدو النقب، يعيش في أصغرها (500) نسمة، وفي أكبرها أكثر من (4500) نسمة. فالمساحات الساحقة جداً من أراضي الجليل والنقب، هي أراض عربية مصادرة منذ عام النكبة، وجرت مصادرتها في إطار سياسة الاضطهاد القومي العنصرية الإسرائيلية الصهيونية ضد المواطنين العرب، حيث سنت "دولة إسرائيل" من أجل ذلك أكثر من أربعين "قانوناً" يفتقد للشرعية منذ العام 1948. وكان ما يسمى بـ "مجلس الأمن القومي الإسرائيلي" قد اقترح قبل أربع سنوات حل مشكلة القرى العربية الفلسطينية غير المعترف بها في بادية النقب، بواسطة خطط واقتراحات مختلفة تفتقت بها عبقرية غلاة الصهاينة من أصحاب مشاريع التهويد والترانسفير. وفي التدقيق والتمحيص، فإن الجهود الإسرائيلية التي دفعت باتجاه اختلاق مشكلة بدو النقب، وإعادة توطينهم في التجمعات والبلدات السبع التي وردت أسماؤها أعلاه، تخفي الكثير ما وراءها من وجهة ورؤية تهدف إلى تحويل القرى المتناثرة في بادية النقب إلى بلدات مكتظة دون تخطيط بحيث تدفع نوعية الحياة لتشبه جميعها أحياء فقر كبرى، أشبه بتجمعات المواطنين السود في جنوب أفريقيا في عهد نظام الفصل العنصري (نظام الأبارتهايد)، ولتصبح الحياة فيها على المدى البعيد موئلاً للعنف الناجم عن الفقر وسوء الخدمات وتأخر التعليم والصحة، وبالفعل فقد أصبحت التجمعات التي أقامتها سلطات الاحتلال أحياء فقر مزدحمة في محيط المدن اليهودية، كما هي حال أحزمة الفقر التي تحيط بالمدن الكبرى في العالم. أما النسبة الباقية منهم والتي تبلغ ما يقارب (44%) من بدو النقب فيعيشون في قرى متناثرة فوق أرضهم التاريخية، في قرى تطلق عليها سلطات الاحتلال صفة "القرى غير المعترف بها" ومنها قرية العراقيب التي أزيلت من الوجود قبل أيام خلت. وبالتأكيد فإن تلك القرى لا تحصل سوى على القليل من الخدمات مثل الماء، الكهرباء، الهاتف، المنشآت التعليمية والصحية، أو أنها لا تحصل عليها بتاتاً. ويعيش معظم سكان القرى إياها في أكواخ، وخيم أو مبانٍ غير ثابتة أخرى. وغالباً ما يتعرض سكان تلك القرى لمضايقات الاحتلال ولعمليات الهدم والتنكيل، ووفقًا لتقديرات جامعة بن غوريون، تم منذ أربع سنوات تسليم أوامر هدم بحق (16.000) مبنى في القرى المذكورة. كما قامت سلطات الاحتلال منذ العام 2002 وحتى مارس/ آذار العام 2004 بإبادة نحو (24.500) دونم من المحاصيل الزراعية التي قام سكان القرى إياها بزراعتها، وذلك عن طريق استخدام الرشّ الجوّي للمبيدات. وبالفعل، فإن أوضاع التّعليم في التجمعات البدوية في أرجاء النقب مقلقة، في مجتمع شاب، فيه نحو (54%) من السكّان البدو دون سنّ الـ (14) عاماً، ونحو (1.3%) منهم فقط هم فوق سنّ الـ (65) عاماً. حيث تصل نسبة تسرب الطلاب البدو قبل الوصول إلى الصف الثاني عشر إلى نحو (60%)، وهي أعلى لدى الفتيات في الصفوف العليا من المدرسة الثانوية، وتعكس في محتواها مؤشرات خطيرة تتعلق بالجانب التعليمي لبدو النقب، وكل ذلك جراء سياسات الاحتلال ومضايقاته المستمرة، وإحجام "إسرائيل" وجهاتها الرسمية عن تقدم الخدمات المطلوبة للتجمعات السكانية في النقب بما فيها التجمعات التي أقامتها سلطات الاحتلال. أخيراً، فإن ما جرى بحق قرية العراقيب، ما زال ينتظر باقي قرى منطقة النقب، في سياق المسعى الإسرائيلي لمحو هوية النقب العربية الفلسطينية، وتهويدها بالكامل.
|
||||||