|
|||||||
|
وأخيراُ وبعد تسع سنوات على غزوها العراق، خرجت القوات الأمريكية من هذا البلد العربي، الهام بموقعه الاستراتيجي، وثرواته النفطية، مهزومة ذليلة. فمنذ أن اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية قرارها بتحديد موعد نهائي لسحب قواتها المحتلة للعراق نهاية عام 2011، والمسؤولون في الإدارة الأمريكية يعيشون هاجس كيفية جعل الانسحاب، إما أن يشكل محطة لإقامة علاقات إستراتيجية بين واشنطن، وبغداد، يتم بمقتضاها التمديد لوجود بضعة آلاف من القوات الأمريكية بغطاء تدريب القوات العراقية، أو أنه بداية لتنفيذ خطة قلب الطاولة على الدول والقوى التي تقف ضد التمديد لهذه القوات، وكانت أصلاً تقاوم الاحتلال الأمريكي، أما سياسياً، أو عسكرياً من خلال المقاومة المسلحة التي تمكنت على مدى سنين الاحتلال من استنزاف القوات الأمريكية، وجعل كلفة احتلالها باهظة الثمن مادياً، وبشرياً. اليوم قامت القوات الأمريكية بتفكيك قواعدها العسكرية وتسليم معسكراتها الواحدة تلو الأخرى لقوات الحكومة العراقية، بعد أن فشلت ضغوط المسؤولين الأمريكيين، ومحاولاتهم المتواصلة، والتي كان آخرها زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن لبغداد، لإقناع الحكومة العراقية بالموافقة على التمديد لبقاء جزء من القوات الأمريكية، حيث وُوجِهَ هذا الطلبُ بالرفض الرسمي، وبتظاهرات شعبية نددت بزيارة بايدن، في مؤشر على التحول الحاصل في العراق، والذي يُظهر إن الغزو الأمريكي لهذا البلد العربي الهام بموقعه الاستراتيجي، وثرواته النفطية الكبيرة، لم يؤدِّ إلى جعله، أو تحويلِهِ إلى بلد صديق، وحليف لواشنطن يقف إلى جانبها في مواجهة خصومها في المنطقة. ولذلك لم يعد أمام واشنطن سوى تنفيذ خطتها الأخيرة التي أعدتها، وهي أن تخلف ورائها الفوضى والاضطراب والاحتراب الطائفي، والمذهبي والعرقي، لمنع القوى المقاومة لمشروعها الاستعماري، والمنتصرة عليها من استثمار هزيمتها وتوظيفها في مصلحتها، وإشغالها بدلا من ذلك في مواجهة الفوضى، وأعمال القتل والتفجير العشوائية التي بدأت أدواتها، والقوى التي نمت، وترعرعت في ظل الاحتلال، تنفيذها عشية البدء بسحب القوات الأمريكية، ومع توارد الأنباء عن تفكيك قواعدها العسكرية في العراق. على أن الأسئلة التي تطرح في هذا السياق هي: ـ إلى ماذا هدفت أمريكا من احتلال العراق؟. ـ وما هي النتائج التي تمخضت عن حربها الفاشلة أمريكياً وعراقياً على حد سواء؟. وما هي انعكاسات هذه النتائج اقتصادياً سياسياً على دور، وموقع أمريكا كقوة عظمى في العالم، كانت تهيمن على القرار الدولي؟. أولاً: أهداف أمريكا من احتلال العراق، وفشلها: 1 ـ الأهداف والطموحات الأمريكية: لقد كان احتلال القوات الأمريكية للعراق من ضمن سيناريو أمريكي أعده فريق المحافظين الجدد في واشنطن لإحكام السيطرة على منابع، ومصادر النفط، والغاز في العالم وطرق إمدادها البرية والبحرية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، أو ما يعرف بأوراسيا، وهي المناطق التي تحتوي على أكبر احتياطات في العالم من الطاقة الدفينة في باطن الأرض، والبحار (مثل بحر قزوين)، وذلك بهدف تحقيق ثلاثة أمور بالغة الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. الأمر الأول: حل أزمات أمريكا الاقتصادية إن السيطرة على هذه المناطق وثروات النفط الهامة فيها، سيمكّن أمريكا من حل أزماتها الاقتصادية، والمالية التي بدأت تعصف بها وتحويل هذه المناطق من العالم إلى أسواق تستهلك السلع، والمنتجات الأمريكية التي تعاني من الركود نتيجة اشتداد المنافسة الاقتصادية العالمية، وبالتالي استخدام القوة العسكرية لفرض هذه السيطرة واحتكار أهم أسواق العالم، تملك صفتين مهمتين لإخراج أمريكا من أزمتها هما: ـ استثمار الشركات الأمريكية في قطاعي النفط، والغاز، وإقامة المشاريع التي تعود عليها بالإرباح الطائلة، واستخدام اليد العاملة، والمواد الأولية الرخيصة الكلفة. ـ طاقة وقدرة استهلاكية، نابعة من توافر الثروات الحيوية، بالنسبة للاقتصاد العالمي، والتي يمكن إن تعيد إنعاش عجلة الصناعة الأمريكية، التي تئن من الركود. الأمر الثاني: حسم السيطرة الأمريكية على القرار الدولي، وتثبيت هيمنة أمريكا على مجلس الأمن، ومؤسسات الأمم المتحدة، واستخدامها أدوات في خدمة هذه الهيمنة على العالم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ومنع الدول الناهضة اقتصادياً، والتي تملك القدرات العسكرية، من التوسع ومحاصرتها عبر أفغانستان، ودول آسيا الوسطى، والشرق الأوسط، فالصين، والهند، والبرازيل، وغيرها من الدول التي تنافس اقتصاداتها الاقتصاد الأمريكي، وتشكل تهديداً للهيمنة الأمريكية على العالم، لا يمكن أن تقف في وجه هذه الهيمنة، إذا كانت واشنطن تسيطر على مصادر الطاقة، وإمداداتها، وهي بأمس الحاجة إليها لتشغيل مصانعها، خصوصاً وأن إنتاج روسيا من النفط والغاز لا يكفي لسد حاجات هذه الدول. أما روسيا فإنها تصبح بفعل هذه السيطرة الأمريكية على أوراسيا محاصرة ضمن حدودها لا تستطيع إن تستعيد دورها الدولي المنافس للهيمنة الأمريكية. الأمر الثالث: تثبيت وجود الكيان الصهيوني وتصفية القضية الفلسطينية عبر فرض مشروع الشرق الأوسط الجديد، وجعل هذا الكيان سيداً عليه، ومثل هذا الهدف يتحقق عبر السيطرة على العراق، وإقامة نظام عميل لأمريكا، وتحويله إلى منصة لعزل، وتطويق الدول التي تعارض الهيمنة الاستعمارية الأمريكية، وتقاوم إسرائيل، وصولاً إلى القضاء على هذه المقاومة نهائياً وإنتاج سايكس بيكو جديد بنسخة أمريكية. إن تحقيق هذه الأهداف الأمريكية شكل طموحاً لدى الولايات المتحدة الأمريكية لتحويل القرن الواحد والعشرين إلى قرن أمريكي، تسود فيه هيمنة أمريكا باعتبارها القطب الأوحد، وجميع الدول الأخرى تدور في فلكه. 2 ـ كيف فشلت أمريكا في تحقيق هذه الأهداف والطموحات: الفرق بين الطموح، والقدرة على تحقيقه فرق كبير، صحيح أن أمريكا هي القوة الأكبر في العالم، وتملك القدرات، والإمكانيات الهائلة عسكرياً واقتصادياً، لكن الصحيح أيضاً إن هذه القوة عندما تضع نفسها في مواجهة دول العالم خصوصاً الكبرى منها، وتتجاهل مصالحها، ودورها، فإنها تكون قد قضت على طموحها، وحدت من قدرتها على تحقيقه، لا بل إنها تكون قد أسست بنفسها لولادة مقاومة عالمية تتكون من كل الدول، والشعوب المتضررة من الهيمنة الأحادية القطبية، ومن خطرها عليها، (وهو ما حذر منه مستشار الرئيس الأمريكي السابق للأمن القومي زييغيو برجسكي في كتابه الاختيار وميز فيه بين قيادة أمريكا للعالم وبين هيمنة أمريكا على العالم). فعندما أخذت أمريكا قرار الحرب على أفغانستان مستغلة هجمات 11 أيلول التي ضربت برجَيْ التجارة العالمي في نيويورك، ومقر البنتاغون في واشنطن لم تلقِ معارضة دولية، بل وجدت حينها تضامناً دولياً، لكن عندما توجهت نحو شن الحرب على العراق بدأت المعارضة بالتصاعد، وإن كانت خجولة نتيجة الجنوح العسكري لدى المحافظين الجدد الذين أشهروا إستراتيجية القوة الخشنة، والحرب سلاحاً وحيداً لفرض هيمنتهم وإخضاع العالم، ولم يعودوا يعيرون أي أهمية لأحد في العالم، ولا لمقاومة الشعوب، ولا لدرس هزيمة أمريكا في فيتنام أمام مقاومة شعبية ومسلحة، معتقدين أنه لم يعد هناك أحد قادر على مواجهة القوة الأمريكية وجبروتها، وأن أي مقاومة ستواجهها لن تكون قادرة على الاستمرار، لكن ما إن وطأت أقدام القوات الأمريكية أرض العراق، وبدأت غزوها له، حتى نهضت المقاومة العراقية المسلحة في مواجهتها، واشتدت هذه المقاومة بعد سقوط بغداد، ولم تتوقف، على الرغم من دفع أمريكا بقوات إضافية إلى الميدان، والتي بلغت 180 ألف جندي، هذا عدا القوات اللوجستية، وتلك المتواجدة في الخليج، والبحار لمساندتها، وازدادت المقاومة قوة وضراوة، وازداد معها النزف الأمريكي مادياً، وبشرياً حيث كانت أعداد القتلى تتجاوز في الشهر الواحد الـ(150) قتيلاً، والكلفة المادية للغزو، والإنفاق على الحرب أخذت بالارتفاع، وتبلغ أرقاماً لم تكن تتوقعها واشنطن. (قدرت الخسائر البشرية رسميا بـ 4 آلاف قتيل أمريكي، و30 ألف جريح، والخسائر المادية بـ 600 مليار دولار، لكن التقديرات غير الرسمية تقول إن الخسائر البشرية بلغت 20 ألف قتيل، و50 ألف جريح، والمادية ثلاثة تريليونات من الدولارات). وفي موازاة ذلك فإن المقاومة الشعبية للاحتلال لم تتوقف، وكانت تشكل بدورها رافداً كبيراً وهاماً للمقاومة المسلحة، تربك وتفشل خطط الاحتلال لإقامة نظام عميل له، ومحاولاته لإجهاض المقاومة، وعبر حرف الصراع من كونه صراع بين الشعب العراقي وقوات الاحتلال، إلى صراع طائفي ومذهبي وعرقي وقومي، وتغذية ذلك بدفع تنظيمات تستتر بالدين، لتنفيذ عمليات اغتيال وتفجير استهدفت مساجد ومقامات دينية وأسواق شعبية. ومع استمرار المقاومة وفشل كل المحاولات المذكورة لإخمادها، وإثارة الفتنة لحرف الصراع عن مجراه الحقيقي، وبالتالي الفشل في جعل الاحتلال في حالة استقرار، وبمنأى عن هجمات المقاومة، اضطُّرَت إدارة الاحتلال إلى تبديل خططها الواحدة تلو الأخرى، والتعجيل بإجراء انتخابات برلمانية، ونقل السلطة إلى حكومة عراقية تشكل غطاء لبقاء الاحتلال وتضفي عليه الشرعية القانونية". وعندما رأت واشنطن إن الانتخابات، وتشكيل حكومة عراقية لم يؤدِ إلى وقف المقاومة المسلحة ضد القوات الأمريكية المحتلة، اضطُّرت إلى توقيع اتفاقية أمنية مع الحكومة العراقية تعهّدت بموجبها بسحب قواتها على مراحل، على أن تُنهي انسحابها الكامل من العراق في نهاية العام الحالي2011، على إن الاتفاقية نصت على أن أي تمديد لبقاء قوات أمريكية في العراق، أو تعديل في أي بند من بنود الاتفاقية يتم بموافقة الطرفين. لكن مع اقتراب موعد الانسحاب الأمريكي نهاية هذا العام، بذلت واشنطن جهوداً استثنائية لأجل دفع الحكومة العراقية برئاسة نور المالكي لقبول التمديد لبضعة آلاف من القوات الأمريكية، إن كان بشكل علني، أو على نحو مبطن، تحت غطاء، أو مبرر تدريب القوات الأمريكية، أو كعاملين في السفارة الأمريكية، على أن يتمتعوا بالحصانة التي تمنع تعرُّض أي من الضباط، والجنود الأمريكيين للمساءلة القانونية من قبل القضاء العراقي في حال ارتكابهم أي عمل مخل بالقانون. غير أن هذه الجهود الأمريكية لم تفلح في إرغام، أو إقناع حكومة المالكي بالموافقة على مثل هذا الطلب الأمريكي، وتبين إن التوازنات العراقية في البرلمان العراقي، لا تسمح للحكومة باتخاذ هذه الخطوة، وأن الإقدام عليها تحت الضغط الأمريكي سوف يؤدي إلى عودة إشعال المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال بقوة أكبر مدعومة شعبياً، وسياسياً، كما سيؤدي إلى عزل واحتراق الحكومة واتهامها بالعمالة، والتواطؤ مع الاحتلال الأمريكي. ولذلك لم يعد أمام واشنطن من خيار سوى إتمام الانسحاب النهائي من العراق في موعده المقرر نهاية هذا العام، ومن دون أن تحصل على التمديد لأي من قواتها، أو ضمانات تحمي مصالحها في العراق، ما يعني إن هدفها في إقامة نظام عميل لها يأتمر بأمرها، وتحقق من خلاله أهدافها الاستعمارية في العراق والمنطقة، قد فشل، وها هي تواجه اليوم استحقاق الهزيمة الذي عليها تجرعها كما تجرعت هزيمتها في فيتنام. أما خيار البقاء في العراق بالقوة فإنه لن ينقذ أمريكا من هزيمتها وفشلها بل سوف يؤدي إلى تعميق الفشل، وجعل الهزيمة أكثر إيلاماً لها على كل الأصعدة، وهو ما دفع برجنسكى إلى كتابة مقال تحت عنوان "السبيل الذكي للخروج من حرب غبية" قال فيه "إن الحرب أصبحت مأساة وطنية، وفاجعة اقتصادية، وكارثة إقليمية، ومصدر ضرر عالمي مرتد على الولايات المتحدة نفسها، ولذلك فإن إنهاءها يخدم المصلحة الوطنية العليا للولايات المتحدة". وأوضح "لو استفتي الشعب الأمريكي قبل أكثر من خمس سنوات، ما إذا كان هوس بوش بإزالة صدام يستحق مقتل 4 آلاف أمريكي و30 ألف جريح أمريكي، وإنفاق عدة تريليونات من الدورات، ناهيك عن ما لحق بمصداقية الولايات المتحدة، ومشروعيتها وهيبتها على المستوى العالمي من ضرر، لم يخضع حتى الآن لقياس دقيق، فإن الجواب سيكون بالنفي قطعاً".(راجع جريدة واشنطن بوست الأمريكية 30 آذار الماضي). أما ماكس بوت الباحث في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن فقد وصف خروج أمريكا من العراق بأنه "يندرج ضمن مسمى واحد "المأساة" ولا يمت للانتصار بأي صلة". ثانياً: النتائج المترتبة للحرب الفاشلة عراقيا وأمريكياً: في التوقف أمام نتائج الحرب الأمريكية التي فشلت في تحقيق أهدافها المرادة منها انطلاقا من المشروع الذي أعده المحافظون الجدد، يتبين إن الحرب أدت إلى النتائج التالية: 1ـ على الصعيد العراقي: صحيح إن غزو العراق قد أدى إلى إسقاط نظام صدام حسين، وتدمير قوة العراق، وهدم الدولة المركزية ومؤسساتها، وتفكيك وحدة الشعب، وزرع بذور الفتن، والانقسام، وتهجير ملايين العراقيين خارج، وداخل العراق، وسن دستور يغذي الانقسام، والصراعات بين مكونات الشعب العراقي. لكن الصحيح أيضاً إن الغزو قد فشل في: 1ـ إعادة تركيب نظام عراقي عميل لأمريكا، ويخل بميزان القوى في المنطقة لمصلحة الكيان الصهيوني، فإلى جانب انتصار قوى المقاومة ضد الاحتلال التي ستكون في المرحلة القادمة جزءً من التركيبة السياسية العراقية، فان القوى السياسية التي رفضت التعامل مع الاحتلال، ودعمت المقاومة ضده، سيكون لها أيضاً دوراً كبيراً في إعادة إنتاج مؤسسات الدولة العراقية، ورسم سياسات العراق على أسس معادية للسياسة الأمريكية، والكيان الصهيوني، وهو ما يزيد من قلق القادة الصهاينة الذين يشعرون هذه الأيام، خصوصاً بعد سقوط نظام حسني مبارك، بأن كل ما خططوا له من وراء الحرب على العراق قد أدى إلى نتائج معاكسة بالنسبة لهم. 2ـ الفشل في إنتاج ثقافة عراقية موالية لأمريكا، والغرب، بل إن الغزو أنتج ثقافة مقاومة، ومعادية لأمريكا والغرب، ليس في العراق فحسب، بل وأيضاً في عموم المنطقة، حيث أظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها فريق أمريكي (راجع تقرير بيكر ـ هاملتون)، إن مشاعر الكراهية لأمريكا في العالم العربي، والإسلامي قد زادت. 3ـ وفشل أيضاً في جعل العراق جزءاً من المنظومة الموالية لواشنطن في المنطقة وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن العراق، حتى قبل إتمام الانسحاب الأمريكي الكامل منه، قد انتهج سياسات معاكسة لتوجهات واشنطن، إن كان بما خص الموقف من إيران، أو الموقف من سورية، الأمر الذي فاجأ إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما التي لم تكن تتوقع هذا التحول السريع في موقف الحكومة العراقية. 2ـ على الصعيد الأمريكي: أما بما خص النتائج على الصعيد الأمريكي فيمكن القول أنها كارثية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، فالكلفة الباهظة للحرب في العراق، عدا عن كونها ذهبت سدى، ولم تحقق الأهداف الأمريكية من الحرب، فإنها أدّت إلى مفاقمة أزمة الاقتصاد الأمريكي، وزيادة المديونية الأمريكية، وبلوغها أرقاماً فلكية (تجاوز الدَّيْن الأمريكي عتبة الـ15 تريليون دولار) فيما البطالة تعدت الـ12% وهي مرشحة للازدياد، وأدت الأكلاف الباهظة للحرب إلى تسريع انفجار الأزمة الاقتصادية والمالية عام 2008 على شكل إفلاس لكبريات الشركات، والمؤسسات المالية والصناعية، واليوم تظهر الأزمة في جانبها الاجتماعي من خلال تفجر موجات الاحتجاج الاجتماعية التي تعم المدن الأمريكية امتدت إلى أوروبا، عبر حملة احتلوا وول ستريت، في ظاهرة تعبّر عن بدء احتدام الصراع الطبقي في أمريكا، بين الأكثرية المتضررة من الأزمة، والقلة المستأثرة بالثروة. ويؤشر انفجار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وانكشاف أمريكا مالياً كدولة مفلسة تعتاش على الاستدانة، إلى أن حربها في العراق، بدل أن تؤدي إلى حل أزماتها، أو الحد منها، أدت إلى مفاقمتها، وإدخالها في مرحلة انحدار قوتها الاقتصادية التي وفرت في السابق أساس تقدم وتطور الولايات المتحدة وتربعها على عرش القرار الدولي، وأساس استقرارها الاجتماعي وتحقيقيها معدلات معيشية مرتفعة هي الأولى في العالم. ومن الآن وصاعداً لم يعد باستطاعة الأمريكيين العيش بنفس الرفاهية التي كانوا ينعمون فيها في السابق، فالدين مرشح للارتفاع بمعدلات أكبر من السابق، وكذلك العجز في الموازنة، ولا يوجد في الأفق أية حلول سحرية، وطالما ظل المنطق الاستعماري الرأسمالي المتوحش هو الذي يتحكم بسياسات الولايات المتحدة فإن الأزمة مرشحة إلى الازدياد خصوصاً في ظل انسداد آفاق تنفيس الأزمة عبر الحروب، والتوسُّع الاستعماري وفي ظل اشتداد المنافسة الاقتصادية الدولية التي تحد من حجم الاقتصاد الأمريكي وحصته من الناتج العالمي. ثالثاً: انعكاسات الهزيمة ونتائجها على دور، وموقع أمريكا العالمي: من المعروف أن القوة الاقتصادية هي الأساس الذي استندت إليه الولايات المتحدة لتصبح قوة عسكرية أولى في العالم، ولتصبح الدولة الأقوى التي تهيمن على القرار الدولي، وتفرض سياساتها الأحادية على الساحة الدولية، بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي الذي كان يشكل وجودة حائلاً دون هذه الهيمنة، وشكلت الإمكانيات الاقتصادية، والمالية القدرة لأمريكا لنشر قواتها في أنحاء مختلفة من العالم خاصة المناطق الإستراتيجية، وكذلك القدرة على شن الحروب لترويض وإخضاع الدول التي تعارض سياساتها وتقف عقبه أمام فرض سلطانها. اليوم لم تعد أمريكا قادرة على توفير الموارد للبقاء متربعة على عرش القرار الدولي، وهي دخلت مرحلة أفول إمبراطوريتها على الأصعدة الاقتصادية والعسكرية للأسباب الآتية: السبب الأول: اقتصادي ويكمن في أن تراجع القوة الاقتصادية لأمريكية يترافق مع صعود قوى اقتصادية جديدة على المسرح الدولي مثل الصين، والهند، والبرازيل، وأدى ذلك إلى اشتداد المنافسة الاقتصادية عالمياً، حيث غزت سلع هذه الدول أسواق العالم على حساب السلع الأمريكية والأوروبية. السبب الثاني: عسكري وتمثل في عدم قدرة أمريكا على حل هذه المعضلة الاقتصادية التي تواجهها عبر فرض سيطرتها الاستعمارية بالقوة العسكرية بعد أن ظهرت محدودية هذه القوة في العراق وأفغانستان، وعدم قدرتها على تحقيق السيطرة، ودخولها في حروب استنزاف مكلفة قصمت ظهر اقتصادها، وألحقت بها الهزيمة، وجعلتها غير قادرة على الاستمرار فيها، أو على شن حروب جديدة. السبب الثالث: سياسي تجسد في ضعف هيبتها وسطوتها على المسرح الدولي نتيجة تراجع قوتها الاقتصادية، وهزيمتها في العراق، وفشلها في أفغانستان، الأمر الذي أدى إلى تقدم الدول المنافسة لأمريكا والمعارضة لهيمنتها الأحادية القطبية، ووضع حد الهيمنة أمريكا على القرار الدولي، مثل الصين، روسيا، الهند، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، التي شكلت محوراً عالمياً جديداً صاعداً، في مقابل المحور الأمريكي الغربي المنحدر والآفل اقتصاديا، وعسكرياً، واستطراداً سياسياً، ويستدل على ذلك من خلال المعطيات، والمؤشرات الأخيرة التي أظهرتها الأزمة الاقتصادية في أمريكا، ودول الغرب، والتي دفعت هذه الدول لطلب المساعدة من الصين، والبرازيل وإقدام الأخيرتين على وضع شروط، وحدود لهذه المساعدة. ويدلل ذلك بقوة على انتقال مركز القرار الاقتصادي الدولي من الولايات المتحدة، والدول الغربية إلى دول محور البركس التي تضم الصين، والهند، وروسيا، والبرازيل .. الخ. ولذلك رأى الكاتب الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي "أن الانسحاب من العراق دون ترك دولة عميلة يمثل كارثة محققة بالنسبة (للمسؤولين الأمريكيين) ومن الممكن أن يخسروا حضورهم في العالم". مشيراً إلى: "تجدد الحرب الباردة في ظل وجود قوى نووية أكثر من التي كانت موجودة في أي وقت مضى، مع تزايد المناطق القابلة للاشتعال في مختلف أرجاء العالم". ولذلك كله يمكن القول إن أمريكا ما قبل احتلال العراق، غيرها ما بعد هزيمتها في العراق، فهي دخلت العراق، في ظل هيمنتها على القرار الدولي، ولا أحد في العالم يجرؤ على تحديها، وهي تخرج منه، وقد فقدت هذه الهيمنة، وباتت هناك العديد من الدول تتحداها، وتشكل منافساً قوياً لها، وقد عبر احد الدبلوماسيين الروس عن هذا الواقع الدولي الجديد بالقول: "نحن الآن في حرب باردة مع أمريكا من دون دماء". لذلك يصح قول برجنسكي بأن حرب العراق "أصبحت مأساة وطنية، وفاجعة اقتصادية، وكارثة إقليمية ومصدر ضرر عالمي مرتد على الولايات المتحدة نفسها".
|
||||||