|
|||||||
|
صعّد القادة الأتراك وعلى رأسهم الرئيس عبد الله غل ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان و وزير خارجيته أحمد داود أوغلو من تهديداتهم ضد النظام السوري والحديث عن قرب سقوطه في ظل غياب تصريحات مماثلة من قبل قادة المؤسسة العسكرية. ومع هذا التصعيد باتت وسائل الإعلام التركية تزخر بالتحليلات التي تقول إن العلاقات مع سورية دخلت مرحلة جديدة كلياً لا رجعة فيها، وأن مرحلة الحل الدبلوماسي مع النظام السوري انتهت، وأن المرحلة المقبلة ستشهد خطوات تركية متصاعدة ضد دمشق إلى حين إسقاط النظام،وفي ظل هذا الحديث بدأت الصحافة التركية تجتهد في طرح سيناريوهات وإجراءات عسكرية تتراوح بين إقامة منطقة أمنية عازلة وبين التدخل العسكري المباشر، فما هي هذه السيناريوهات؟ وما هي مبرراتها وحظوظها؟ وهل هناك إمكانية لتطبيقها؟ سيناريوهات التدخل التركي 1- سيناريو إقامة منطقة أمنية عازلة: والرؤية التركية لهذا السيناريو تقوم على حدوث موجة نزوح كبيرة من داخل سورية إلى تركيا، وكثيراً ما تستشهد الصحف التركية هنا بما جرى للعراق عام 1991 عندما لجأ قرابة نحو نصف مليون عراقي إلى الأراضي التركية مع فرق أن تركيا تتحدث في الحالة السورية عن إقامة هذه المنطقة داخل الأراضي السورية. ومع انه من الصعوبة تصور لجوء مثل هذا العدد إلى تركيا إلا أن تطور الوضع الميداني في سورية ولاسيما في محافظة إدلب المحاذية لتركيا يضع في الحسابات التركية كل الاحتمالات في حين من الواضح أن الجانب السوري يسيطر بقوة على المناطق الحدودية، فيما معارك الجيش هي محدودة مع المسلحين في هذه المناطق،وهو ما يستبعد فرضية نزوح موجات بشرية كبيرة. 2 - سيناريو الاشتباك أو الصدام المباشر: ويقوم هذا السيناريو على حصول اشتباك مباشر بين الجيشين التركي والسوري في المنطقة الحدودية لهذا السبب أو ذاك، فيقوم الجيش التركي باستدعاء الحلف الأطلسي للتدخل وفقاً لمثياق الحلف الذي يقضي بدعم عضو في حال طلبه المساندة، وعلى الرغم من أن البعض يرجِّح هذا السيناريو في ظل الانكفاء الأمريكي حيث الأزمة المالية وبدء الحملة الانتخابية إلا أنه من الواضح أن التدخل العسكري التركي بهذه الطريقة هو حالة اعتداء على دولة ذات سيادة وليس حرباً بسبب خلاف أو صراع ثنائي، وهو ما يتناقض مع ميثاق الحلف من جهة، ومن جهة ثانية يضع المنطقة أمام خلط الأوراق ودفعها للمجهول. 3 - سيناريو التدخل الدولي المباشر: من الواضح أن ارتفاع وتيرة التصعيد التركي على وقع تطور الوضع الأمني في سورية، والحديث المتواتر عن إسقاط النظام له علاقة برِهَانٍ تركي على موقف غربي في لحظة ما من تطوّر الأزمة السورية، والثابت هنا هو أن تركيا تنسق مع الجامعة العربية وواشنطن وباريس ولندن لدفع الأمور بهذا الاتجاه بعد أن وصلت علاقاتها مع النظام السوري إلى طريق مسدود وباتت تحس بانعدام جدوى الخيار السياسي. وهي هنا تنطلق من موقع الدولة الإقليمية الأطلسية المؤثرة سياسياً وجغرافياً في الحدث السوري في ظل عضويتها في الحلف الأطلسي وعلاقاتها المتينة مع واشنطن ووجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها (أنجرليك) ونشرها للدروع الصاروخية الأطلسية على أراضيها. 4- سيناريو إقامة (بنغازي سورية): وهنا تتجه الأنظار إلى محافظة إدلب السورية المجاورة لتركيا حيث ارتفاع وتيرة المواجهات العسكرية هناك بين الجيش السوري والمجموعات المسلحة التي صعدت من عملياتها العسكرية وبدأت تهاجم في الفترة الأخيرة المقار الأمنية للجيش والأجهزة الأمنية، في ظل تقارير تتحدث عن دعم عسكري تركي لهذه المجموعات ومدّها بالأسلحة عبر الحدود، فضلاً عن أكبر تواجد لما يسمى بالجيش السوري الحر في هذه المنطقة. هذه السيناريوهات وإن بدت غير محددة المعالم حتى الآن إلا أنها باتت موجودة على أجندة القيادة التركية، وهي (تركيا) تشترط إخراجها إلى حيِّز الواقع وجود موافقة عربية على غرار ما حصل لليبيا وتوفر ضمانات أمريكية وأوروبية، وكذلك قرار دولي وهو غير متوفر حالياً في ظل الفتيو الروسي والصيني في مجلس الأمن، فضلاً عن شرط توحيد المعارضة السورية. إستراتيجية امتلاك الأوراق يعرف الجميع أن مسألة إسقاط النظام السوري مسألة تتجاوز الحدث السوري كحدث قائم بذاته إلى إسقاط منظومة إقليمية تمتد من إيران إلى لبنان مروراً بسورية وربما العراق بعد رحيل القوات الأمريكية من هذا البلد، وعليه فإن اللجوء إلى الخيار العسكري في مثل هذه الحالة قد يعني الدخول في حرب إقليمية مفتوحة من الصعب أن يتجرأ أحد على إشعالها خصوصاً وأن المنطقة المستهدفة هي في جوار الكيان الإسرائيلي، الكيان الذي يعني منظومة الغرب أيديولوجياً وأمنياً واستراتيجياً. وعليه، ثمة من يتحدث عن أن السيناريوهات العسكرية السابقة تدخل في إطار زيادة الضغوط على النظام السوري بهدف إسقاطه من الداخل عبر تجريده من عناصر قوته ودفعه إلى الانهيار على وقع الدم المراق يومياًَ وتفاقم الوضع المعيشي في البلاد بعد موجة العقوبات العربية والتركية والدولية. في الواقع، ينبغي النظر إلى الموقف التركي هذا على أنه تعبير عن إحساس بفائض القوة وامتلاك العديد من أوراق الأزمة السورية، إذ قامت تركيا خلال الفترة الماضية بسلسلة خطوات جعلت منها قوة مؤثرة وممسكة بخيوط الأزمة السورية، ولعل من أهم الخطوات: 1- إن تركيا كانت الدولة السباقة إلى احتضان المعارضة السورية ولاسيما حركة الأخوان المسلمين حيث نظمت سلسلة مؤتمرات للمعارضة السورية في أنطاليا وأنقرة واسطنبول وصولاً إلى تشكيل المجلس الوطني السوري الموجود في الخارج. 2- إن تركيا هي الدولة الوحيدة التي أقامت مخيمات رسمية للاجئين السوريين على أراضيها وقد جعلت من هذه القضية قضية إنسانية وسياسية حيث قام العديد من المسؤولين الأتراك بزيارة هذه المخيمات وأطلقوا من هناك تصريحات ضد النظام السوري. 3- فرض سلسلة عقوبات اقتصادية وتجارية على سورية كانت أبرزها إعلان أنقرة عن وقف جميع اتفاقيات التعاون مع سورية وفرض إجراءات عقابية ضد العديد من المسؤولين السوريين من منع للسفر وتجميد للأموال والتهديد بوقف إمداد سورية بالطاقة الكهربائية،مع التلويح الدائم بعقوبات أشد. 4- التنسيق المتواصل مع الجامعة العربية والولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية بشأن اتخاذ المزيد من الإجراءات ضد النظام السوري،واللافت انه على خلفية هذا الأمر تحسنت العلاقة التركية مع فرنسا وألمانيا بعد توتر مع الدولتين على خلفية موقفهما من قضية عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي. 5- إن تركيا هي الدولة الوحيدة التي أمنت الملاذ الآمن للجيش السوري الحر بزعامة العقيد رياض الأسعد وسط الحديث عن جهود لتشكيل مجلس عسكري على غرار المجلس الوطني، حيث كان لافتا الاجتماع الذي جرى مؤخرا بين برهان غليون رئيس المجلس الوطني و العقيد رياض الأسعد قائد الجيش السوري الحر، وتأكيد الجانبين على وحدة الجهود والتنسيق في المجالين السياسي والعسكري. جملة الخطوات السابقة جعلت من تركيا قوة مؤثرة في الحدث السوري، وعليه باتت تحسُّ بفائض القوة في ظل امتلاكها العديد من أوراق الأزمة السورية بعد أن وصلت هذه الأزمة إلى نقطة حرجة حيث تتحرك أنقرة كلاعب إقليمي خطر سواء على مستوى تفجير الساحة السورية من الداخل أكثر أو على مستوى التلويح بعمل عسكري ضد سورية انطلاقا من الأراضي التركية. الحرب الاقتصادية قبل بدء الاحتجاجات في سورية وصلت العلاقات بين دمشق وأنقرة إلى مستوى التحالف من خلال بناء شبكة علاقات اقتصادية وتجارية وأمنية وسياسية وثقافية بين البلدين إلى درجة أن المتابعين لهذه العلاقة أطلقوا عليها صفة النموذجية. اليوم لا تبدو الصورة مختلفة فحسب، بل ثمة حرب اقتصادية جارية بين البلدين مع انخراط تركيا في موجة العقوبات العربية والدولية ضد سورية، ولجوء سورية بدورها إلى فرض عقوبات مماثلة ضد تركيا التي تعتقد أن العقوبات الاقتصادية كفيلة بدفع النظام في سورية إلى الانهيار من الداخل عبر استنزاف قدراته من جهة، ومن جهة ثانية انعكاس أثر العقوبات على حياة الشعب السوري ومعيشته، وبالتالي دفعه إلى الانتفاض في وجه النظام ولاسيما من قبل الطبقة الوسطى المتركزة في مدينتي دمشق وحلب، في حين يرى النظام السوري أن تركيا وتحديداً حكومة حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان ستكون متضررة أكثر جراء هذه الحرب الاقتصادية نظراً لأهمية موقع سورية في دورة الاقتصاد التركي كجسر جغرافي لا بديل عنه يربط تركيا بالأردن ودول الخليج. في ترجمة لهذه الحرب، جمدت تركيا خلال الفترة الماضية أصول مالية سورية (قدرت بـ 110 مليون دولار) ومنعت العديد من المسؤولين السوريين من السفر إلى تركيا ووقفت التعامل مع مصرف سورية السوري، في حين دمشق من جهتها ردت على الخطوات التركية هذه بإلغاء اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين وفرض رسوم على الشاحنات التركية العابرة للأراضي السورية إضافة إلى فرض ضريبة على السلع التركية بلغت 30%، وسط تهديد كل طرف بعقوبات أشد على شكل حرب مستعرة تستهدف استنزاف الأخر. بداية هنا، ينبغي القول إن الحدود السورية – التركية البرية هي الأطول، إذ تبلغ قرابة 900 كيلومترا، وقد أعطت هذه الحدود الطويلة ميزة كبيرة للجغرافية السورية بالنسبة لتركيا، فهي تبدو معبراً حيوياً استراتيجياً لتجارتها إلى دول الخليج العربي والأردن ومصر كما قلنا، وعليه يمكن تفسير وجود أكثر من مئة ألف شاحنة تركية تعمل في التجارة عبر الأراضي السورية. وبلغة الأرقام تقول التقارير إن حجم واردات سورية من تركيا تشكل 10% من مجموع واردات البلاد فيما تشكل واردات تركيا من سورية 0.3%، ومع إلغاء تأشيرات الخروج بين البلدين تقول التقارير إن عدد السوريين الذين يزورن تركيا بلغ قرابة مليون سوري نهاية العام الماضي، وهؤلاء يشكلون نصف عدد الزوار العرب الذين يزورن تركيا سنوياً، وبلغة الأرقام أيضاً بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 2.50 مليار دولار وهو يميل لصالح تركيا خصوصاً بعد أن فتحت سورية أسواقها أمام البضائع التركية، وقد أدت هذه السياسة إلى إغلاق أكثر من خمسين ألف منشأة سورية بعد إفلاسها، معظمها في مدينة حلب المجاورة لتركيا في حين سجل الاقتصاد تركيا نمواً غير مسبوق في السنوات الأخيرة حيث سجل أعلى معدلات التنمية، إذ بلغ 11% في النصف الأول من العام الجاري بعد أن كان يعيش على وقع وصفات صندوق النقد الدولي. البَلَدَان وفي ظل هذه الحرب ذهبا إلى البحث عن خيارات بديلة، فسورية باتت تراهن على السوق العراقية لتصريف بضائعها وفي الداخل اتجهت إلى دعم الاقتصاد المحلي لإحياء ما لحق به من خسارة جراء فتح الأبواب على مصراعيها أمام البضائع التركية، وإذا كان مثل هذا الأمر سهلاَ بالنسبة لسورية حيث التحسن المستمر في العلاقة مع العراق فضلاً عن أهمية الدعم الإيراني، فإنه بالنسبة لتركيا يبدو أمراًَ صعباً، لجهة تأمين خطوط بديلة للتجارة التركية إلى الدول العربية، فالخيارات تتراوح بين العراق والإسكندرية في مصر وربما الكيان الإسرائيلي الذي يعاني العلاقة معه فتوراً ملحوظاً منذ حادثة الاعتداء على سفن أسطول الحرية ومقتل تسعة ناشطين أتراك كانوا على متنها حيث رفض الكيان الإسرائيلي الاعتذار لتركيا عن ذلك على الرغم من مطالبة أنقرة مراراً، وفي جميع هذه الحالات فإن التكلفة أكثر بالنسبة للجانب التركي على شكل أعباء إضافية على الاقتصاد، وهو ما يدفع إلى الاعتقاد بأن تداعيات هذه العقوبات على تركيا ستكون كبيرة في المرحلة المقبلة خصوصاً مع ازدياد نسبة الاستياء في الداخل من سياسة حكومة حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان حيث تفاقم القضية الكردية وازدياد الاستياء في صفوف الطائفة العلوية والتي تقدر بنحو عشرين مليون نسمة من سياسات حزب العدالة والتنمية، فضلاً عن المعارضة الحزبية المتمثلة بحزبي الشعب الجمهوري بزعامة كمال كليجدار أوغلو وحزب الحركة القومية بزعامة دولت بهجلي. دون شك، للحرب الاقتصادية بين سورية وتركيا ضحايا على جانبي الحدود، معظمهم من طبقة التجار وكذلك المتواجدون على جانبي الحدود، وفي المدى المنظور تتجه الأمور نحو المزيد من التفاقم وسط قناعة سورية راسخة بأن الموقع الجغرافي المميز لسورية في دورة الاقتصاد التركي سيفرز نتائج إيجابية لصالح سورية وخسارة أكيدة للجانب التركي إلى درجة أن هذه القناعة ترى أن العقوبات التركية هي بشكل أو أخر عقوبات لتركيا واقتصادها وإن حكومة العدالة والتنمية ستدفع ثمن ذلك بعد أن تنعكس هذه العقوبات على الداخل التركي ولاسيما في المناطق الجنوبية المحاذية لسورية والتي تعيش اقتصاديا على السوق السورية. في خلفيات الموقف التركي من سورية قبل بدء الاحتجاجات في سورية بأيام كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في شمالي سورية يفتتح سد الصداقة بين البلدين على نهر العاصي ويخاطب الرئيس بشار الأسد بمفردات الأخ والصديق ويتحدث عن المستقبل الباهر للعلاقات بين البلدين بعد سنوات من التحسن فيها والتي وصلت إلى مستوى وصفها بالإستراتيجي والنموذجي. فجأة ومن دون مقدمات تغيرت لهجة أردوغان وأركان حكومة حزب العدالة والتنمية تجاه النظام في سورية وبات لسان هؤلاء التهديد والوعيد والإنذارات والفرص وإعطاء الدروس وغير ذلك من لغة الاستعلاء قبل أن تنتقل أنقرة إلى الانخراط في الوضع السوري مباشرة من خلال احتضان المعارضة وصولاً إلى تبنيها ودعم المجموعات العسكرية ومن ثم الانتقال إلى المطالبة بتغيير النظام في سورية. السؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا هذا الانقلاب في السياسة التركية؟ وما هي خلفيات هذا الانقلاب؟.. بداية، نريد أن نقول لكل من يرى أن حكومة حزب العدالة تنطلق في سياستها هذه انطلاقاً من دعمها لمطالب الشعب السوري بالحرية والديمقراطية والتغيير.. إن هذا نوع من الوهم وربما قلة الوعي أو الفهم للسياسة التركية، ونقول لهؤلاء إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تعترف تركيا بحقوق أكرادها؟ ولماذا اضطهاد الطوائف الإسلامية (العلوية) وحتى المسيحية مستمر منذ أكثر من قرن؟ وفي الحالة السورية لماذا لم تقم بوساطة بين المعارضة التي تحتضنها (الأخوان المسلمين) والنظام وهي التي قامت بوساطة في وقت سابق بين سورية وإسرائيل؟!. في الحقيقة، ثمة خلفيات سياسية تقف وراء مجمل السلوك التركي إزاء الوضع السوري، اختصرها في الأسباب الثلاثة التالية: 1- إن تركيا حزب العدالة والتنمية تريد كسر أو تغيير البوابة السورية من أجل أن تكون الجيوسياسة العربية مفتوحة أمام سياستها المضمرة (العثمانية الجديدة) بكل ما تحملها هذه السياسة من أبعاد اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية ومذهبية وأمنية، فكسر هذه الحلقة المصنفة في (الهلال الشيعي) يعني فتح (كريدور) أمام السياسة التركية العثمانية عبر سورية تجاه الأردن والخليج ومصر... وهو ما يعني إقامة(هلال سني) محل (هلال شيعي) في ظل الصراعات الإقليمية والدولية الجارية على منطقة الشرق الأوسط. 2– إن عامل التنافس والصراع بين تركيا وإيران على المنطقة العربية قوي سواء جداً في الخليج أو الشرق الأوسط، وفي ظل هذا التنافس فإن دول الخليج التي لها خلافات ومشكلات وحساسيات مع إيران ترى أن دعم الدور التركي يعد شكلاً من أشكال محاربة الدور الإيراني والاشتباك معه إقليمياً، ومع صعود الحركات الإسلامية ولاسيما الأخوان المسلمين في الشارع العربي وتحديداً في البلدان التي تشهد ثورات واحتجاجات فإن حجم المطالبة العربية بدور تركي بدأ يأخذ طابع الاستنجاد بدولة إقليمية وهو ما تحاول تركيا استغلاله ولاسيما في الملعب السوري، فضلا عن تقديم نموذج حزب العدالة والتنمية للحكم. 3- إن تركيا وبعد سنوات من الحديث عن نظرية صفر المشكلات والعمق الاستراتيجي والعودة إلى بنيانها الحضاري حسمت خيارها لصالح الانضمام إلى البلوك الغربي كما تحدث وزير الخارجية أحمد داود أوغلو قبل فترة، وما الموافقة على نشر الدرع الصاروخية على أراضيها إلا تأكيد على هذا الخيار، وفي الأساس بجب أن لا ننسى أن تركيا عضو مهم في الحلف الأطلسي ولها علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة. وهي هنا تنطلق من نظرية المشاركة في الحدث واقتسام المغانم بدلاً من البقاء في مقاعد المتفرجين والانكفاء على الداخل. الانقلاب التركي على صفر المشكلات المتابع للعلاقات التركية الأمريكية لا بد أن يرى تحسناً كبيراً في هذه العلاقة خلال العام الجاري، ومع هذا التحسن تتحدث التقارير عن علاقة خاصة تكونت بين الرئيس باراك أوباما ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على شكل اتصالات هاتفية عديدة، جوهرها التشاور بشأن ما يجري في المنطقة وتحديدا الوضع السوري. بداية ينبغي القول إن هذا التحسن الكبير جاء بعد فتور في العلاقة بين الجانبين خلال العام الماضي بسبب جملة المواقف التركية من قضايا المنطقة ولاسيما غزة والملف النووي الإيراني خصوصاً عندما قالت تركيا (لا) في مجلس الأمن ضد فرض عقوبات على إيران، وهو ما دفع بالعديد من الأوساط في الغرب وإسرائيل إلى القول إن تركيا بدأت تنفك عن الغرب ومنظومته الأمنية لصالح إقامة عمق إسلامي يشمل تركيا وإيران وسورية والعراق.. على شكل مخاوف إستراتيجية. السؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما الذي جرى للسياسة التركية؟ وما هي أبعاد الانقلاب الحاصل؟ وكيف ينظر الداخل التركي قبل الجوار لهذا الانقلاب؟. قبل محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات لا أعرف لماذا تذكرت وبقوة موقف مؤسس الإسلام التركي نجم الدين أربكان من أردوغان، إذا كان يصفه على الدوام وحتى هو على فراش الموت بالعميل الأمريكي ورجل الغرب في تركيا. لكن بعيداً عن هذا التوصيف وأسبابه لا بد للمتابع لهذا المسار أن يتوقف عند جملة من معطيات عززت من العلاقة بين الغرب وتركيا أردوغان، ولعل أهمها: 1 – مشاركة تركيا في الحرب الأطلسية ضد ليبيا بعد أن عارضت في البداية أي حل أو تدخل عسكري في الأزمة الليبية. 2- تصدر تركيا على شكل رأس حربة في الأزمة السورية ومحاولة التحرك كلاعب إقليمي خطر يتمسك بالأوراق ويلوح بالتهديد العسكري وينتهج الحرب الاقتصادية. 3- موافقة أردوغان على نشر الدرع الصاروخي الأطلسي على الأراضي التركية حتى دون موافقة البرلمان التركي، وهو قرار استراتيجي خطير نظراً لأنه موجه ضد دول المنطقة ولاسيما إيران وروسيا. 4- التصريحات التي أطلقها أردوغان خلال جولته قبل فترة إلى مصر وتونس وليبيا ودعوته هذه الدول إلى اعتماد نظام علماني بعد أن طالبته قوى إسلامية في مصر بإعلان الخلافة. دون شك، هذه المعطيات وغيرها تبدو أشبه بحالة انقلاب على السياسة التركية التي أعلنها قادة حزب العدالة والتنمية عندما تحدثوا عن صفر المشكلات والعمق الاستراتيجي. وإذا كان من تداعيات هذا التحول أو الانقلاب التحسن الكبير في العلاقة مع الغرب فإن تركيا عادت من جديد لتكون أداة في الإستراتيجية الغربية تجاه المنطقة، وهو ما أدى إلى تداعيات داخلية وخارجية. ففي الداخل ثمة تعاظم لموجة السخط والاستياء من قبل الأحزاب والقوى السياسية والاقتصادية والثقافية من سياسة أردوغان هذه. وفي الخارج عودة إلى السلبية في العلاقات مع دول الجوار الجغرافي ولاسيما سورية وإيران والعراق وعلى شكل قطع للتحسن الذي جرى في العلاقات مع روسيا والصين. لقد جعل أردوغان من تركيا سفينة لا تعرف إلى أين الإبحار وكيف؟ فهو تارة يريد تركيا دولة قائدة للعالم الإسلامي، وأخرى جسراً بين الشرق والغرب، وثالثة تابعة للغرب وأداة لسياسته، ورابعة منفذة لإقامة الشرق الأوسط الأمريكي بعد أن انكفأت الولايات المتحدة على الداخل على وقع أزمتها المالية المتفاقمة. وفي كل هذا انهيار للمصداقية في الداخل وتوتر مع الجيران.. ليبقى السؤال في الداخل التركي متى يدق ساعة الربيع العربي في تركيا التي فيها من المشكلات ليكون الربيع طويلاً وأكيداً. أفق التصعيد التركي ضد سورية في الواقع، من الواضح أنه بعد دخول العقوبات التي فرضتها جامعة الدول العربية على سورية حيز التنفيذ بدأت تركيا تتحرك على شكل تصعيد ممنهج تجاه الوضع السوري، فللمرة الأولى بدأ القادة الأتراك وتحديداً وزير الخارجية أحمد داود أوغلو يتحدث عن أن كل الخيارات بما فيها العسكرية باتت مطروحة بعد أن كان المسؤولون الأتراك يحرصون طوال الفترة الماضية على عدم الحديث عن الإجراءات العسكرية بما في ذلك إقامة منطقة أمنية داخل الأراضي السورية، وأمام هذا الواقع بات من يتنبأ بأن شرارة التدخل الخارجي ضد النظام السوري سيكون من تركيا التي تستعد لتشغيل الدروع الصاروخية الأطلسية على أراضيها نهاية العام الجاري. ولعل ما يزيد من عوامل الصدام التركي ـ السوري هو أنه مع تطور الموقف التركي إزاء الأزمة السورية تخلت دمشق عن سياسة الهدوء والحرص على امتصاص الموقف التركي وانتقلت إلى موقع المواجهة والرد على الخطوات التركية كما قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم، ولعل رد دمشق القوي على العقوبات التركية الأخيرة، فضلاً عن محاولة تحسين العلاقة مع المعارضة التركية وتحديداً حزب الشعب الجمهوري الذي يعيش في عداء سياسي متصاعد مع أردوغان وحزبه وكذلك محاولة التقرب من حزب العمال الكردستاني الذي وجّه ضربات موجعة للجيش التركي في الفترة الأخيرة... هذه المعطيات وغيرها تشير إلى أن كل طرف دخل في رهان على الزمن لكسر إرادة الآخر عبر مجموعة من الأوراق والرهانات والعوامل. الثابت أنه مع استمرار الأزمة السورية وتطورها أمنياً على الأرض من سيء إلى أسوأ، وكذلك تزايد مؤشرات الصدام التركي ـ السوري، فإن تركيا باتت أمام خيارين لا ثالث لهما، أما الذهاب إلى سيناريو عسكري مباشر سواء بقرار دولي أو دونه، أو الانخراط رسمياً في تقديم الدعم العسكري للمجموعات العسكرية المناهضة للنظام السوري بغية توجيه ضربات قاصمة له من أجل دفعه إلى الانقسام والانهيار من الداخل، فضلاً عن تحقيق شروط الانتفاضة في المدن الكبرى وتحديداً في مدينتَيْ دمشق وحلب حيث الطبقة الوسطى التي عليها تتوقف مسار الأمور في الداخل السوري، في حين يرى النظام السوري أن انقلاب حكومة أردوغان عليه يأتي في سياق مؤامرة مدروسة دولياً وإقليمياً بهدف ضرب قوى الممانعة في المنطقة من خلال تفكيك التحالف الاستراتيجي بين إيران وسورية وحزب الله في لبنان. في الوقع، من الواضح أن العلاقات التركية – السورية تبدو وكأنها أمام لحظة تاريخية، كتلك التي حشدت فيها تركيا قواتها على الحدود السورية عام 1957 عشية الوحدة بين سورية ومصر أو حتى لحظة معركة مرج دابق شمالي حلب عام 1516 عندما انتصر السلطان العثماني سليم الأول على قائد جيش المماليك قانصوه الغوري، فدخل العثمانيون إلى بلاد الشام ومنها كان الطريق إلى مصر بعد معركة الريدانية بالقرب من القاهرة عام 1917 وقتل القائد المملوكي طومان باي. استذكار هذه اللحظات التاريخية في العلاقات التركية ـ السورية قد لا يعني تكرارها بقدر ما هو تعبير عن جوهر الأزمة ووصولها إلى ما قبل لحظات الذروة، مع التأكيد بأن الظروف المحلية والإقليمية والدولية مختلقة، وحسابات كل ذلك حاضرة في السياسة وخياراتها لدى الطرفين وكذلك القوى الإقليمية والدولية المعنية بالصراع الجاري في الشرق الأوسط والسياسات الهادفة إلى رسم المشهد السياسي من جديد في المنطقة. * كاتب وباحث بالشؤون التركية
|
||||||