مخططات تهويد النقب: تفعيل الترانسفير

السنة الحادية عشر ـ العدد 121  ـ (شهرصفر 1433 هـ ) ـ (كانون ثاني ـ يناير 2012 م)

بقلم: مأمون كيوان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

صادقت الحكومة "الإسرائيلية"، مؤخراً، على مخطط تهويدي يعرف في "إسرائيل" باسم «تقرير برافر» لتطبيق توصيات «لجنة غولدبيرغ»، ويقضي بنقل أكثر من 30 ألف فلسطيني من قراهم التي لم تعترف بها "إسرائيل" منذ قيامها وتجميعهم في بلدات بدوية قائمة مثل: راهط وكسفية وحورة. ويسكن نحو 75 ألف شخص في نحو 40 قرية في النقب لا تعترف "إسرائيل" بها.

 وتنحدر معظم العشائر البدوية في منطقة النقب من أصل حجازي. والبدو كلهم من العرب المسلمين السنة، وتصنيفهم هنا هو مجرد تصنيف اجتماعي وليس تصنيفاً دينياً أو طائفياً. وقد حظي البدو في "إسرائيل"، الذين يشكلون أقلية داخل الأقلية العربية، باهتمام متزايد خلال السنوات الماضية، من قِبل وسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية الإسرائيلية على حدٍّ سواء. وتجري محاولات حثيثة لدمج البدو في صفوف المجتمع الإسرائيلي على مستويين: المستوى الرسمي، أي من خلال سياسة الحكومة؛ والمستوى غير الرسمي، أي من خلال التغييرات على نمط العلاقة مع المجتمع الإسرائيلي بشكل عام والمجتمع اليهودي بوجه خاص. وكما يمكن التوقع، فإن المجتمع البدوي، باعتباره مجموعة ذات صفة ثقافية يتميز بها، يلاقي صعوبات "طبيعية" خلال عملية الدمج هذه، من أبرزها:

1- عملية الانتقال من مجتمع تقليدي ومحافظ، كان قبل جيل واحد فقط مجتمعاً يعيش في ترحال، تتطلب التنازل عن بعض القيم والعادات والتقاليد إضافةً إلى الأساليب التقليدية في مجال الاقتصاد.

2- من التحديات التي واجهها البدو: التعامل مع عملية التمدين، وهي على النقيض من تقاليد المجتمع الرحّال، وازدياد نسبة الفقر.

3- تعذر على البدو إلى حدٍّ ما التمييز بين الصعوبات الحقيقية التي يواجهونها وتلك الصعوبات الخاصة بالتغييرات التي يمرّ بها المجتمع البدوي وما يتصف به من صفات ثقافية مميزة، ما يجعلهم يشعرون بالإجحاف بصورة قد يكون مبالغاً فيها في بعض الأحيان.

ويبلغ عدد البدو في "إسرائيل" حالياً نحو 170 ألف نسمة، حسب التوزيع الجغرافي التالي: في النقب نحو 110 ألف نسمة، وفي أواسط "إسرائيل" يوجد نحو 10 آلاف نسمة، وفي شمال "إسرائيل" يوجد نحو 50 ألف نسمة.

ومنذ قيام "إسرائيل" سنة 1948 ازداد عدد السكان البدو بنحو عشرة أضعاف، وذلك بسبب النسبة العالية للنمو السكاني لدى البدو التي تبلغ حوالي 5%، وهي نسبة منقطعة النظير في "دولة إسرائيل" أو في أي مكان آخر في منطقة الشرق الأوسط. وتعود نسبة السكان العالية إلى القيم الاجتماعية التقليدية الخاصة بحجم العائلات و/ أو العشائر البدوية والتي تعتبر العائلات الكبرى ذخراً يجلب المنفعة على الصعيد السياسي. ويعود الأمر ـ حسب المزاعم "الإسرائيلية"ـ أيضاً إلى الخدمات الصحية والطبية الحديثة التي أصبحت سهلة المنال، والتي أدت إلى تقليص نسبة وفيات الأطفال وارتفاع معدل الأعمار.

ومن الجدير ذكره أنه حتى سنة 1948 لم يكن هناك أي سكان بدو في أواسط "إسرائيل". ويعود سبب وجود حوالي عشرة آلاف من السكان البدو حالياً في أواسط البلاد إلى الهجرة من النقب، التي نجمت عن سببين رئيسيين وهما:

1- الهجرة بحثاً عن المراعي: ففي سنة 1957 تعرّضت منطقة النقب لفترة من الجفاف استمرت ستّ سنوات. وأدّت موجة الهجرة هذه إلى إقامة العشرات من التجمعات السكنية البدوية في المنطقة الممتدة بين كريات غات في الجنوب وجبل الكرمل في الشمال. وفي سنة 1977، اتخذت الحكومة قراراً يلزم البدو بالعودة إلى النقب. والتزم بهذا القرار الذين كانوا يمتلكون أراضي هناك، ولكن معظم البدو بقوا في أواسط "إسرائيل"، بسبب توفر مساحات كبيرة من المراعي الخصبة هناك، وبسبب توفر أماكن عمل لعدد من أفراد هذه العائلات البدوية، خصوصاً في المدن اليهودية الرئيسية والمناطق المحيطة بها. وفي سنة 1992، تبنت الحكومة سياسة جديدة تمّ في نطاقها عرض المزيد من التجمعات السكنية الريفية على البدو. ولكن عملية توطين البدو في مثل هذه التجمعات ستستغرق، بلا شك، سنوات عديدة.

2- الهجرة من أجل إيجاد العمل: كانت من قِبل أفراد العائلات التي لم تكن لديها أراضي ولا مواشي. وأدت هذه الهجرة التي تمت في الفترة ما بين سنتي 1954 و1970، إلى تكوّن مركزين بدويين في مدينتي الرملة واللد وفي قريتي الطيبة وكفر قاسم. واستقر عدد قليل نسبياً من البدو في قرى عربية أخرى. وكان المهاجرون ينتمون إلى مجموعتين اقتصادياً واجتماعياً: أصحاب الأراضي في منطقة النقب، وأولئك الذين لم تكن بحوزتهم أراضي، وكانوا يشكلون الأغلبية. وقد تمكن أعضاء المجموعة الثانية من الحصول على أماكن عمل ثابتة وعلى مصادر للدخل، لذلك لم تكن لديهم أي نية في ترك أماكن سكناهم الجديدة. أما معظم أولئك الذين تركوا وراءهم الأراضي في النقب، فقد عادوا للنقب سنة 1980، عندما أقرت الحكومة وثائق المطالبة بحق ملكية الأراضي.

وتمكن البدو الذين انتقلوا إلى أواسط "إسرائيل" من ملائمة أنفسهم بسرعة للحياة في المدينة، حيث تحرروا من القيود التي كانت تفرضها عليهم الضغوط الاجتماعية والسياسية لبدو النقب، الذين رفضوا الانتقال إلى التجمعات السكنية التي أقيمت من أجلهم من قبل الحكومة. وانتقل هؤلاء البدو للسكن في منازل تركها عرب كانوا قد تركوا البلاد إبان حرب 1948، أو أقاموا أكواخاً وتخشيبات (كما كانت الأوضاع مثلاً في حي محطة القطار في اللد).

وتجسيداً لمكانة النقب في المخططات الصهيونية، جعلت الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة من استيطان النقب بنداً ثابتاً، وكرّست لأجل ذلك البحوث والبرامج والأموال، وترافق ذلك مع إعطاء الصلاحية للجيش والشرطة باستخدام الإرغام، والقمع، والتنكيل، والهدم، والمصادرة، والتشريد، تجاه المواطنين الفلسطينيين من سكان النقب. ومن الجدير بالذكر، أن بعض الزعماء الصهاينة (مثل: ديفيد بن غوريون، أريل شارون، وغيرهما...) اختاروا أرض النقب مكاناً لسكناهم أو لمزارعهم، تشجيعاً وتحفيزاً للاستيطان.

ويقع النقب جنوبي فلسطين، ويشكِّل نحو نصف مساحة فلسطين التاريخية، فمساحة النقب نحو 12.6 مليون دونم، تشكِّل حوالي 47% من المساحة الكلية لفلسطين التاريخية البالغة نحو 27 مليون دونم. له شكل مثلث هندسي رأسه في الجنوب على خليج العقبة، وقاعدته في الشمال، يبلغ طولها نحو 125 كم، وتصل بين نقطتين إحداهما على البحر الميت في الشرق، والأخرى جنوب غزة في الغرب. أما ضلعاه الآخران فهما الحدود الفلسطينية المصرية في الغرب، والحدود الفلسطينية الأردنية المحاذية لطول وادي عربة في الشرق.

تعود تسمية النقب بهذا الاسم إلى أمرين: الأول أنها مشتقة من الكلمة الكنعانية "نجب" أي "الأرض الجافة"، ويتلاءم هذا المصطلح مع البيئة الصحراوية المعروفة بقلة هطول الأمطار فيها، والمعنى الثاني لكلمة النقب هو "الطريق بين الجبلين" والمنقبة هي "الطريق بين الدارين" . وتدل هذه التسمية على أهمية النقب من الناحية الجغرافية الإستراتيجية، فالإقليم عبارة عن منطقة عبور، كما أن النقب يُعرَف بأنه بوابة بلاد الشام إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا.

عند قيام الدولة العبرية مُنح البدو فترة شهرين لتسجيل أراضيهم، لكن غالبيتهم لم يعلموا بالأمر، لتعلن "إسرائيل" في ختام الشهرين أن الأراضي التي لم تسجل تابعة لما يُعرف بـ"دائرة أراضي إسرائيل" وأصبحت "أراضي دولة". وعملت السلطات الإسرائيلية على إجبار عرب النقب على العيش وفق التخطيط المبرمج، وتقضي هذه الخطة بإقامة قرى وتجمعات لعرب النقب تهدف إلى تجميع السكان في قرى محددة وبالتالي مصادرة الأرض والاستيلاء عليها. وفعلاً تمكنت السلطات من تجميع نحو 50% من السكان العرب ووضعهم ضمن سبع قرى، وهي: رهط وكسيفة وعرعرة وشقيب السلام واللقية وتل السبع وحورة. كما تمّ إنشاء مجلس أبو بسمة الإقليمي الذي يضم تسع قرى تمّ الاعتراف بها. وبقي عشرات آلاف السكان في مناطق سكنهم وعلى أرضهم، يعيشون في ظروف مأساوية.

تعرضت العشائر العربية في قضاء بئر السبع إلى عمليات ترحيل من موقع إلى آخر، قامت خلالها السلطات "الإسرائيلية" بالاستيلاء على أرضهم، ومنعهم من العودة إليها. وقد ساهمت قوانين الطوارئ وسنوات الحكم العسكري، في مصادرة تلك الأراضي، وخسارة أصحاب الأرض عندما يتوجهون للمحاكم. وتعمل تلك السلطات على إرغام المواطنين الفلسطينيين من سكان النقب للدخول في البلدات المخططة ومغادرة قراهم الحالية، وتقوم بهدم البيوت التي تعتبرها غير مرخصة، ورش المزروعات بالمبيدات، بحجة أن العرب زرعوها في أراضي "الدولة"، وهي تعتبرهم معتدين، مع أنهم هم أصحاب الأرض والحق.

بقي النقب في العقل الصهيوني رمزاً لتطبيق معادلة تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الأصليين، وإحلال اليهود من شتى أنحاء العالم مكانهم، وهذا تجسيد لأحد المبادئ الأساسية للصهيونية، وهو مبدأ الهجرة اليهودية الذي يستتبعه ويرتبط به مبدأ الاستيطان.

ووضعت في شهر نيسان/ أبريل سنة 2005، "خطة لتطوير النقب" خلال السنوات العشر(2006-2015). ووصف شمعون بيريز، عندما كان نائباً لرئيس الحكومة الأسبق أرئيل شارون، خطة "تطوير النقب"، بأنها تعد نسخة ثانية وعصرية من مشروع إقامة "إسرائيل". ومن أهداف الخطة، زيادة عدد السكان في النقب ليصبح 1.1 مليون نسمة بعد عشر سنوات، وذلك بإشراف مكتب رئيس الحكومة شارون، ومكتب نائبه شمعون بيريز الذي أشرف على "خطة تطوير النقب" ويرأس "اللجنة الوزارية لتطوير النقب والجليل". ويشمل البرنامج الزمني والتنظيمي لـ"خطة تطوير النقب":

 أ- خطة استراتيجية (2006-2015): تُشرف على التخطيط لها مؤسسة دروما عيدان هنيغب.

 ب- مشاريع قومية (2005-2008): مثل سكك الحديد وغيرها، يشرف على هذه المشاريع مكتب نائب رئيس الحكومة بيرس.

ج- مشاريع وفرص (2005-2008): وكذلك للفترة (2008-2015)، ويشرف عليها مكتب رئيس الحكومة عوزي كيرن.

د- لجنة توجيه: تضم مندوبي مكتب رئيس الحكومة ونائبه، وكذلك مندوبي الوزارات وسلطة تطوير النقب.

هـ- تصل الخطة في نهاية المطاف إلى اللجنة الوزارية لتطوير النقب والجليل، والتي تقع تحت إشراف مكتب نائب رئيس الحكومة. وتتضمن أهداف الخطة خمسة بنود مدرجة لتحقيقها حتى سنة 2015:

أولاً: إعادة ثقة الجمهور بشكل عام، وسكان النقب بوجهٍ خاص، بالإجراءات الرامية إلى تطوير النقب (على خلفية خيبات الأمل المتكررة بهذا الشأن).

ثانياً: زيادة عدد سكان النقب إلى نحو 1.1 مليون نسمة.

ثالثاً: زيادة الدخل السنوي للفرد في النقب بحيث يساوي المعدّل القُطري أو أكثر.

رابعاً: زيادة نسبة العاملين في النقب بحيث تساوي المعدّل القُطري أو أكثر.

خامساً: زيادة نسبة الطلاب الجامعيين من أبناء النقب بحيث تساوي النسبة القُطرية أو أكثر.

وتُشرف مؤسسة دروما عيدان هنيغب على وضع أسس "خطة تطوير النقب" بشكل عام، وهناك ستة طواقم عمل تشرف على ستة مجالات متعددة. والطواقم الستة التي تعمل في مجال التخطيط هي:

التربية: طاقم برئاسة شمشون شوشاني.

البنى التحتية: دروما عيدان هنيغب ودودو كوهين وآدم مزور.

والمجتمع والقيادة الإقليمية والمهنية: الوكالة اليهودية، نيلي شحور.

المسكن والاستيطان: يشاي شختر، جمعية أور.

الوسط البدوي: مجلس الأمن القومي، ويهودا بخر منسّق نشاط الحكومة في النقب، وتهدف الخطة في هذا الشأن إلى "ترتيب وضع" السكان البدو، لأنه دون ذلك لن يكون هناك تنفيذ ناجح لخطة تطوير النقب.

وهناك أربعة طواقم تعمل في تخطيط القسم المتعلّق بالبدو، وهي: "طاقم الاستيطان والأراضي؛ وطاقم القانون والنظام؛ طاقم المرأة البدوية؛ وطاقم المصالحة والاندماج".

وهناك خطة لـ"معالجة الوسط البدوي في النقب" والمعروفة باسم "خطة شارون". وقد رُصِد لهذه الخطة ميزانية 1.175 مليار شيكل (حوالي 258 مليون دولار) لفترة خمس سنوات. وعلى الرغم من الإعلان بأن الخطة ترمي إلى "تغيير وتحسين وضع السكان البدو"، لكن الغرض الحقيقي منها هو السيطرة على أراضي العرب في النقب، وتهجير السكان وتجميعهم في سبع بلدات، وتصفية القرى غير المعترف بها.

وهنالك موجة استئصالية "إسرائيلية" مُوجهة ضدّ عرب النقب، تتجلى بوضوح في إبادة مزارع البدو، وهدم المزيد من البيوت بحجة عدم الترخيص وغيرها. فالحجج هي غطاء لمشروع استعماري عنصري يهدف إلى اجتثاث عرب النقب جغرافياً وتاريخياً وديموغرافياً من أرض يعيشون عليها منذ قرون، وقبل قيام المدن والمستوطنات اليهودية في النقب بعقود طويلة. والهدف الاستراتيجي "الإسرائيلي" هو محو معالم الإنسان والأرض والتاريخ العربي في النقب، وتعليب عرب النقب داخل محميات صغيرة، تعيش داخل محيط ذي أكثرية يهودية تملك أكثرية الأرض والمصادر الاقتصادية في النقب.

وتعتمد "إسرائيل" في سياستها نحو عرب النقب على إستراتيجية تتضمن اجتثاث أكبر عدد ممكن من عرب النقب من أراضيهم وديارهم الأصلية والاستيلاء على أكثرية الأراضي العربية في النقب من جهة، وتعليب وحصر أكبر عدد ممكن من العرب على أصغر مساحة جغرافية في النقب من جهة ثانية.

اعلى الصفحة