|
|||||||
|
قبل تسعة أعوام شنت الولايات المتحدة الأمريكية حربها ضد العراق متجاوزة الأعراف الدولية وميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان بحجة أن النظام العراقي الذي كان يتزعمه صدام حسين يشكل خطراً على المجتمع الدولي. فُرِض الحصار على الشعب العراقي وتمت المقايضة بين لقمته ونفطِهِ لفترة طويلة أرهقَتْه قبل المباشرة بالأعمال العسكرية، زعموا أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وجاءت لجان التفتيش الدولية فبحثت في كل مكان أرادته عن تلك الأسلحة المزعومة ولم تجد شيئاً حتى أنها دخلت قصور صدام وغرف نومه لتنفيذ مهماتها وجاءت النتائج سلبية. ومع ذلك أعلنت الإدارة الأمريكية أن أسلحة الدمار الشامل موجودة ومخبأة في العراق، فجيّشت الجيوش وتحالفت مع الدول العربية الملتحقة أصلاً بها لشن الحرب مستعملة أراضي وبحار وأجواء عدد من دول الخليج بما فيها السعودية والكويت وقطر والإمارات بالإضافة إلى الأردن ومصر وباكستان وأفغانستان، ونأت تركيا في تلك الأيام بنفسها عن الحرب ضد العراق، ومنعت القوات الأمريكية من استعمال قاعدة "انجرليك" الأمريكية الموجودة في تركيا من المشاركة في الأعمال العسكرية ضد العراق. وكان هذا هو الموقف التركي المعلن على الأقل. أما إيران وسوريا فقد أخذتا موقفاً معارضاً للعدوان على العراق ورفضتا سياسة الولايات المتحدة الأمريكية لمهاجمة العراق واحتلاله. ومع الهجوم الأمريكي الذي شاركت فيه بعض دول حلف الناتو ودخلت القوات المعتدية عن طريق الحدود الكويتية ـ العراقية، ولم يصمد النظام العراقي سوى أيام قليلة ظهر معها أن قوته العسكرية التي كان يتغنى بها لم تكن بشيء ذي أهمية، ولم تصمد في المواجهة وإنهار الحرس الجمهوري الذي جرى تضخيم قوته إلى حد بعيد، وانهار فدائيو صدَّام وغيرها من التشكيلات التي كانت أشبه بالوهم منها بالحقيقة، وبسبب تاريخ نظام صدام الدامي مع شعبه القائم على القتل والسفك والمجازر والاغتيالات فقد رفض الشعب العراقي الوقوف إلى جانب النظام ولم يقاتل للدفاع عنه، بل اعتبر الكثيرون من أبناء الشعب العراقي أن المهم أولاً هو القضاء على نظام صدام، وبعد ذلك تتم مواجهة الاحتلال الأمريكي، لأن قتال المحتل أهون من المواجهة مع طاغية استباح جميع المحرمات ووقف حائلاً بين الشعب وحريته. ولكن الشعب رفض أيضاً أن يناصر المحتل ووقف على الحياد لفترة وجيزة ريثما تأخذ القوى السياسية والشعبية الوقت اللازم للاستعداد أو لمواجهة المحتل الغاصب، ثم بدأت طلائع المقاومة العراقية بالظهور مع انطلاق العمليات ضد قوات الاحتلال التي راحت خسائرها تتزايد يوماً بعد يوم، وهنا وجد المحتل أن أفضل سبيل بالنسبة إليه لتفريق العراقيين وإيقاع الفتنة بينهم يتمثل في استغلال الاختلاف المذهبي والعرقي فلعب على وتر السنة والشيعة وعلى وتر العرب والأكراد والتركمان، وتم إحضار بعض الجماعات المذهبية من خارج العراق ممن يسمون أنفسهم بالسلفية الجهادية وبدأت المناوشات على أسس مذهبية ثم تطور الأمر إلى القيام بعمليات التفجير الانتحارية التي استهدفت المساجد والحسينيات ومواكب العزاء وزوار الأماكن المقدسة في النجف وكربلاء ووصل الأمر إلى حد تفجير مقام الإمامين العسكريين في سامراء. لقد حاول المحتل الأمريكي إذكاء نار الفتنة من أجل أن يتحول وجوده إلى مطلب شعبي ورسمي عراقي من أجل الفصل بين المتقاتلين من أبناء العراق. وعلى الرغم من كل الجرائم التي تم اقترافها إلا أن وعي الشعب العراقي كان أكبر من أن يتأثر بأجواء الفتنة، وعملت المرجعيات السياسية والدينية على تفويت الفرصة على المحتل ومنعه من الوصول إلى غايته. كما حاول المحتل أن يجعل العراقي في مواجهة العراقي ولو كانوا من طائفة واحدة، فعمل على تأسيس ما يسمى بمجالس الصحوات وهي مجموعات قبلية عرقية ووضعها في مواجهة المقاومين من أبناء السنة العراقيين، ولقد لعب الأمريكي المحتل كل الأدوار القذرة في العراق، وسكتت أكثر الأنظمة السياسية العربية عن ذلك بل كانت داعمة ومساندة ومصرة على منح شرعية للوجود الأمريكي في العراق، غير أن هناك قوى إقليمية رفضت أن تترك الساحة للمحتل لتحلو له الإقامة فيها فكانت بالمرصاد لخططه وكانت تعمل على إخراجه بتقديم كافة أنواع الدعم والمؤازرة للقوى الأمنية العراقية الرافضة للاحتلال والعاملة على إخراجه من العراق، وهذه القوى الإقليمية هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية العربية السورية. هل حقق الأمريكي غايته من احتلال العراق؟ هذا هو السؤال الذي يجب طرحه مع انسحاب القوات الأمريكية من العراق.. وللإجابة عليه لا بد من معرفة الأهداف التي رمى إليها المحتل الأمريكي من وراء احتلاله للعراق. وقبل الخوض في الأهداف الحقيقية لا بد لنا من ذكر الوهمية التي حددها الأمريكي للتعمية على أهدافه الحقيقية. 1- إزاحة الرئيس العراقي السابق صدام حسين والقضاء على نظام حزب البعث في بغداد، وهذا هدف مزيف لأن الإدارة الأمريكية كانت قادرة على التعامل مع هذا النظام إذ أنها تتعامل وتتحالف مع أنظمة وحكام يماثلونه في السوء إن لم يتفوقوا عليه، والحقيقة أنهم أرادوا ذلك مدخلاً لتحقيق الأهداف الحقيقية لغزوهم. 2- الزعم بأن النظام يمتلك أسلحة دمار شامل وأن الولايات المتحدة تريد مصادرة هذه الأسلحة حتى لا يستخدمها النظام في حرب ضد أمريكا وحلفائها في المنطقة، وقد اعترف الأمريكيون بكذبهم لناحية الزعم بوجود أسلحة دمار شامل في العراق وذلك على لسان وزير خارجية أمريكا حينذاك كولن باول الذي صرح بأن أمريكا كانت تعلم بعدم وجود أسلحة دمار شامل لدى العراقيين. 3- الزعم بأن نظام صدام حسين يشكل خطراً على الدول المجاورة وظهر بطلان هذا الزعم بعجز النظام العراقي عن مواجهة الغزو الأمريكي خصوصاً بعدما أنهكته العقوبات والحصار. 4- الزعم بأن الغاية هي نشر الديمقراطية ومنح الشعب العراقي الحرية لتقرير مصيره، ولو كان هذا الزعم صادقاً لوجب أن تفعل أمريكا ذلك مع العديد من الأنظمة العربية الحليفة لها إذ أن هذه الأنظمة لا تقل ديكتاتورية عن نظام صدام حسين. إننا نرى أن كل هذه الإدعاءات ليست سوى حجة للوصول إلى الغايات الحقيقية للإدارة الأمريكية. لقد استغلت هذه الإدارة صدام حسين إلى أبعد الحدود فدفعته إلى محاربة إيران الثورة في مقتبل أيامها لمدة ثماني سنوات وقدذمت له مع حلفائها الذين يأتمرون بأمرها المال والسلاح والمعلومات من أجل القضاء على الجمهورية الإسلامية في مهدها، ولم يفلح في ذلك ولكنه أعاق مسيرة الإنماء والتقدم وتسبب في كوارث على الصعيد الإنساني والاقتصادي ثم استعملته في الحرب على الكويت وأعطته ضوءاً أخضر لاحتلالها، من أجل أن تضع يدها على نفط الخليج وقراره، ثم جمعت حولها معظم الدول العربية لقتاله وإخراجه من الكويت، وقامت بتدمير قواته وإبادتها وهي منسحبة باتجاه العراق. ولما استنفدت أغراضها منه فرضت الحصار على العراق وعلى شعبه إلى حد التضييق على غذاء الأطفال وعلى المرضى الذين مات كثير منهم لعدم توفر الدواء المطلوب. وشنت عليه الحرب القاضية لتضع يدها على ثروات العراق وتحوله إلى محمية أمريكية وإلى قاعدة لضرب قوى الممانعة والمقاومة وفي مقدمتها سوريا وإيران والمقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين، ولتدفع العرب لإنهاء القضية الفلسطينية عبر الاعتراف بدولة إسرائيل وتبادل العلاقات الدبلوماسية معها وتحويلها من جسم غريب في المنطقة إلى كيان شرعي مقبول ومعترف به. هل حققت الولايات المتحدة ما أرادت؟ أم أنها فشلت في ذلك؟ لا نستطيع القول إن الاحتلال الأمريكي لم يترك أثراً سيئاً في العراق على مختلف الأصعدة. وكذلك في معظم دول المنطقة، فالعلاقات المتوترة على الصعيد المذهبي في مختلف دول العالم الإسلامي هي إحدى نتائج الغزو الأمريكي للعراق، ووحدة العراق اليوم هي أضعف من ذي قبل لاسيما على الصعيد العرقي. ولكننا نستطيع الزعم بأن الاحتلال الأمريكي للعراق قد فشل في تحقيق غاياته وأهدافه إلى حد بعيد. 1- فالعراق على الأقل ما زال دولة موحدة بكل مناطقه وأعراقه ومذاهبه وعلى الرغم من الاحتلال الأمريكي ووجوده العسكري فقد عجزت أمريكا عن فرض حكومة موالية لها وعبّر الشعب العراقي بمجمله عن رفضه لعملاء أمريكا وفرضت القوى السياسية المعادية للاحتلال وجودها في البرلمان والحكومة وأصرّت هذه القوى على إخراج المحتل ورفضت التمديد له أو إعطاءه أية امتيازات بعد خروجه أو أية حصانة لقواته الباقية تحت عناوين التعاون بين البلدين. 2- أرادت الولايات المتحدة التأثير على الجمهورية الإسلامية من خلال احتلالها للعراق نظراً للحدود المشتركة وللعلاقات القوية بين الشعبين العراقي والإيراني فماذا كانت النتيجة؟.. يخرج الاحتلال الأمريكي والعلاقات الإيرانية ـ العراقية أفضل بألف مرة عما كانت عليه عند بداية الاحتلال..!!. لقد استطاعت الجمهورية الإسلامية بحكمة قيادتها وتعاطيها الجيد مع الوضع العراقي أن تكسب ثقة مجمل القوى السياسية الفاعلة واحتضنت هذه القوى وقدمت لها المساعدة اللازمة لتخطي الكثير من الأزمات التي مرت بها، وأصبحت إيران تمثل الرقم الصعب في المعادلة السياسية العراقية، وهذا ما عبر عنه العديد من المحللين السياسيين والاستراتيجيين ووسائل الإعلام في العالم بالقول إن إيران قد خرجت منتصرة على الأمريكي المحتل للعراق، فهو قد خرج بقواته وهي باقية بحسن علاقاتها وروابطها مع الشعب والحكومة العراقيين، ومن الممكن القول اليوم أن العراق سيكون أحد دول محور المقاومة أو الممانعة ضد إسرائيل والسياسة الأمريكية. 3- لقد دعمت سوريا المقاومة العراقية وأيدتها ورفضت الاحتلال الأمريكي الذي حاول مع بداية احتلاله للعراق أن يفرض شروطه على الحكومة السورية فكانت زيارة كولن باول لدمشق ولقائه بالرئيس الأسد والشروط الثمانية الشهيرة التي حاول أن يفرضها عليه، والتي رفضها الرئيس الأسد جملةً واحدة ومنها وقف دعم المقاومة العراقية، والاعتراف بالاحتلال، وقطع العلاقة مع محور المقاومة بما فيه إيران وحزب الله وحماس والدخول في مفاوضات التسوية مع إسرائيل. ولقد استطاعت سوريا أن تفرض استقلالها وإرادتها وحافظت على قيمها ومبادئها وها هو الاحتلال يخرج عائداً إلى بلاده وهي على نفس المبادئ والقيم. 4- إن الخروج الأمريكي من العراق لم يأتِ على قاعدة كرم الأخلاق الأمريكي أبداً وإنما نتيجة لأعمال المقاومة العراقية ولرفض الشعب العراقي للاحتلال الذي كان سبباً في مقتل مئات الآلاف من العراقيين ومحور المقاومة والممانعة الذي أرادت أمريكا القضاء عليه في المنطقة يزداد قوة وتطوراً وصلابة في المواجهة سواء في فلسطين أو لبنان أو سوريا وإيران، وهو يعمل على تمتين وضعه أكثر فأكثر. 5- القضية الفلسطينية: وعلى الرغم من كل الضغوط الأمريكية من أجل إنهائها وهي ضغوط على العرب وليس على إسرائيل أبداً، فإن احتلال العراق لم يسهم في تقليل أهمية هذه القضية عند العرب والمسلمين ولا في دفعهم إلى التساهل بشأنها، نعم هناك حكام معروفون بعمالتهم أو انصياعهم التام للإدارتين الأمريكية والإسرائيلية ولكن هؤلاء ظلوا عاجزين عن فرض رؤيتهم للمسألة. 6- ثروة العراق النفطية والحضارية: لقد سرق الأمريكيون جزءاً كبيراً من ثروة العراق النفطية والحضارية، وذلك عبر سرقة النفط مباشرة أو بواسطة عقود جائرة إلى أبعد الحدود للشعب العراقي أو بواسطة الصفقات والعقود التي أبرمت لإعادة بناء العراق، أو لتسليح جيشه الذي أعيد تكوينه بعد تفكيك جيش صدام حسين اثر الغزو الأمريكي. هذا هو الأمر الذي برع فيه الأمريكيون في العراق، ولا بد هنا من الإشارة إلى الشركات الأمنية الأمريكية الخاصة مثل "بلاك ووتر" وغيرها التي كانت في الوقت عينه إحدى أدوات القتل والسرقة في آن معاً. أما ثروة العراق الحضارية المتمثلة في الآثار والتحف الفنية والتاريخية فكانت الأكثر تضرراً، فلقد نهبت عشرات الآلاف من القطع الأثرية وهُربت إلى الغرب. نعم لقد برع الأمريكيون وحلفاؤهم في سرقة قسم كبير من ثروة العراق وآثاره، وهذه هي المهمة اللصوصية التي يجيدها الأمريكي.
|
||||||