الانتفاضات العربية كسرت مقولة: لا إصلاح قبل مواجهة تحديات الخارج؟
المواطن الحر شرط البناء والمواجهة

السنة الحادية عشر ـ العدد 121  ـ (شهرصفر 1433 هـ ) ـ (كانون ثاني ـ يناير 2012 م)

بقلم: نبيل علي صالح*

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

على مديات زمنية طويلة عملت نخب الحكم العربي على خلق وإشاعة (واستغلال) مناخ ثقافي وسياسي عام يقوم على قاعدة فكرية مفادها أن الطريق إلى بناء الداخل لا بد وأن يكون مسبوقاً بتحرر كامل من ضغوطات وأزمات الخارج، وأن حسم مسألة الصراع مع الأعداء الخارجيين (وعلى رأسهم إسرائيل) له الألوية في أية عملية بناء أو إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي داخلي.

وهذه الفكرة المضللة والخطيرة والعقيمة كلفت مجتمعاتنا هدر وضياع موارد وطاقات كثيرة ذهبت أدراج رياح الفساد والاستبداد، بعد سقوط كل شعارات وأحلام تلك المرحلة السابقة ـ من السعي إلى إقامة دولة المواطنة، ودولة الوحدة والحرية والاشتراكية وغيرها ـ التي ظهر أن أصحابها لعبوها بشكل صحيح، ووضعوا أهدافهم في مرمى الأمة التي جاؤوا على أساس خدمتها، فاستغلوا أزمات المنطقة للإبقاء على عروشهم وكراسيهم ونهبنهم لخيرات شعوبهم.. وها هم يتساقطون واحداً تلو الآخر كبيوت العنكبوت الواهية كاشفين عن أموال ذات أرقام فلكية موضوعة ومكدسة باسمهم الخاص –من دون أي خوف من محاسبة الشعوب- في بنوك الدول التي أسموها "استعمارية" و"امبريالية" و"صهيونية"..الخ.

وقد أثبتت مؤخراً كل هذه الانتفاضات العربية الراهنة وبصورة حاسمة ونهائية فشل تلك الرؤية الديماغوجية التي كانت تقوم على قاعدة الدمج والربط الكامل بين متطلبات التنمية الداخلية (للفرد والمجتمع) وبين استحقاقات المواجهة الخارجية مع الدول والمحاور والقوى الإقليمية والدولية الكبرى، من خلال تأجيل مقتضيات الإصلاح الداخلي بكل مفاعيله السياسية والاقتصادية والتنموية ـ القائمة على إعطاء الناس حرياتهم الطبيعية، وإعادة السياسة إلى حضن المجتمع، وتمكين الشعوب العربية من صنع قراراتها وتقرير مصيرها بنفسها، والعيش حياة طبيعية آمنة ومسالمة مثل باقي خلق الله ـ  ريثما يتم الانتهاء من إيجاد حول ناجعة لمجمل أزمات الخارج وتحدياته المفصلية التي يأتي على رأسها تحدي "الصراع العربي ـ الإسرائيلي" الذي يبدو أنه سيطول جداً، ولن تنتهي مفاعيله ـ المتزايدة والمشتعلة باستمرارـ في المدى الطويل حيث أنه لم يكن هناك أية مصلحة حقيقية لنخبنا العربية المهلهلة والمهترئة والتي بدأت تحث الخطى مسرعة باتجاه مزابل التاريخ، وكذلك لم يكن من مصلحة لحكّام إسرائيل في الوصول إلى حلول نهائية لهذا الصراع الوجودي الدامي الذي بتنا نشك في وجود شبه تواطؤ بين الاثنين لعدم حل هذا الصراع، حيث أننا لا نزال نلف وندور حوله منذ عقود طويلة، وندفع الأثمان الباهظة من دمائنا ومواردنا وثروات حاضرنا ومستقبل أجيالنا نتيجةً لسوء خططنا ومعالجاتنا الضيقة والمبنية على أنانية وجشع حكامنا (الأجلاء!) وحساباتهم الخاصة جداً في ديمومة بقاء سلطاتهم المطلقة واستمرارية نهبهم المافيوي المنظم واللامحدود لموارد البلاد وثروات العباد ولو جاء ذلك على حساب تدمير مجتمعات بأكملها. فهذا ليس مهماً إطلاقاً مهما كانت الخسائر والتضحيات، بل المهم هو البقاء على رأس سلطة منخورة وفاسدة ومفسدة..

ونحن لا نشك مطلقاً في أن الدولة العربية الحديثة (المتشكلة بعد عهود الاستقلال الظاهري قبل حوالي سبعة عقود تقريباً) قد نجحت نجاحاً باهراً في خداع كثير من أفراد مجتمعاتنا العربية عبر استغلال وتوظيف ذلك الصراع مع إسرائيل لتغطية فشلها في إدارة موارد دولها وإخفاقها الكبير في كل مجالات التنمية والحياة السياسية فيها، وعجزها الفاضح عن الإيفاء بالتزامات بناء الداخل العربي الذي أصبح ـ نتيجة السياسات السلطوية القمعية والنهب المنظم والممنهج الذي مارسته تلك النخب شبه الإلهية ـ ضائعاً ومحطماً ومنقسماً وعرضة ـ على الدوام ـ لشتى أنواع القمع والكبت والإلغاء والنهب الذي قام على مجموعة احتكارات عائلية وحزبية وطائفية وفئوية ضيقة لم يكن لها من هدف أو دور أو همّ أو أجندة سوى البقاء في الحكم ومراكمة الثروة، بما يجعلها بعيدة كل البعد عن التحلي والتخلق بأدنى مشاعر ومعاني وقيم الوطنية ومحبة الناس والوطن.

هذا وقد ساعد وساهم الإعلام الرسمي (ونصف الرسمي) العربي في تثبيت تلك الرؤية الخادعة في ذهنية الناس من خلال عملية تضليل وتزييف وعيهم وخلق نوع من الفوضى الفكرية والبلبلة والإرباك العقلي عندهم فيما يشبه تضييع حقائق الحياة وخلط بديهيات الأمور مع أخرى مصطنعة، على مستوى تسمية الأمور بغير مسمياتها الحقيقية المعروفة بها، ومنع الناس من تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقة المعروفة بها.. والمعروف أن حكامنا لم يبرعوا في شيء قدر براعتهم في الإعلام الأمني المخابراتي، حيث أنهم كانوا يصرون دوماً على عدم إعطاء حقيبة وملف الإعلام لأي شخص غير موال بصورة مطلقة وكاملة على النمط الغوبلزي-الهتلري.

وقد يقف البعض هنا معترضاً علينا بأننا نحمل حكامنا ما لا طاقة لهم به، وأنهم لا يتحملون لوحدهم المسؤولية الكاملة عما آلت إليه أوضاعنا السياسية العربية من انحطاط وبلوغها هذه الدرجة من السوء والانحدار، ووصولنا إلى القاع الحضاري العالمي على كافة المستويات والأصعدة (التي يمكن متابعتها بدقة وإمعان من خلال مطالعة كل تقارير وإحصائيات أهم وأرقى مراكز الدراسات الإستراتيجية السياسية والاقتصادية العربية والدولية)...

والمنطق يقول ـ بحسب هؤلاء المعترضين ـ أن المجتمعات العربية الحاملة لهموم وتعقيدات فكرية، والتي تهيمن على قراراتها وسلوكياتها ونظم حياتها ثقافة دينية ماضوية، هي التي يجب أن تتحمل القسط الأوفر من مسؤولية هذا الانحطاط السياسي والحطام الاجتماعي الذي نقبع في داخله منذ زمن طويل، وليس فقط هؤلاء الحكام الذين نعترف بقمعهم وفسادهم واستبدادهم ومسؤوليتهم أيضاً عن تردي أوضاعنا العربية.. ولكن هؤلاء الحكام هم ـ في الأساس وبالعنوان الأولي ـ جزء من تقاليدنا وتراثنا وثقافتنا، ولم ينزلوا إلينا من كوكب آخر، فقد ولدوا في أحضان مجتمعاتنا التي تحكمها نظم وتقاليد ونمطيات فكرية وسلوكية محددة، كما أنهم تربوا على عادات وأعراف ثقافتنا ومناخاتنا الفكرية والسياسية المهيمنة منذ قرون وقرون.. وبالتالي فهم ـ بمعنى من المعاني ـ صورة لنا، يعكسون طبيعة الثقافة السائدة، ويشكلون قطعة أو جزء من صورة وضعنا العام الذي تشكل منذ فترة طويلة في هذا العالم المشرقي.

من هنا ليس من المنطق العقلاني والتقدير الحقيقي المتوازن للأمور والأشياء أن نوجه اللوم فقط لحكامنا ونخبنا السياسية الحاكمة، بل ينبغي علينا ـ من أجل فهم تلك الحالة من التخبط والانحطاط العربي، والفشل الذريع في مجمل خطط التنمية، والتبعية والاستلحاق شبه الكامل للآخر، وتقديم التنازلات له ـ الوقوف ملياً ومطولاً أمام طبيعة البيئة والبنية "الثقافية ـ السياسية" السائدة التي تهيمن على وعي الناس عندنا، وتوجه مساراتهم، وتحدد اختياراتهم القيمية والعملية.

طبعاً نحن نعتقد أن هذا التحليل الاعتراضي صحيح إلى حد ما، لأننا وبالعودة إلى تراثنا العربي القديم الحافل بشتى أنواع العبر والدروس، الذي لا يزال له حضور مميز في ذهنية الناس حالياً، على الرغم من عدم دراسته دراسة موضوعية ونقدية فاعلة، مع أن هناك بعض المفكرين الذين غطوا بعض الجوانب منه، وحاولوا مشكورين تقديم رؤى وعبرات علمية مهمة عن تاريخنا العربي والإسلامي..

أقول: بالعودة إلى بعض هذا التراث التاريخي يمكن أن نحظى بمآثر جمة وغنية عما تركه لنا هؤلاء الحكام في تثبيت الملك العضوض، وفي "فن أصول الحكم".. حيث رأينا كيف انبثق في تلك اللحظة التاريخية من تاريخنا العربي وعي زائف وإدراك قاصر لمسائل الدين والتدين والسلطة والحكم، أنتج فهماً خاصاً ضيقاً وعدوانياً لمعنى الدين والحكم الديني، وللعقل والانفتاح، والتسامح إلى أقصى الحدود. وهذا الفهم للدين والحياة الدينية والمجتمعية الإسلامية عموماً ـ الذي أضحى لاحقاً عرفاً وتقليداً دينياً مقدساً يدان به، له أفكاره ورموزه ودعاته ـ هو الذي ثبت في ذهنية الناس والمجتمع، وتحول إلى ما يشبه القانون والقاعدة الثقافية العامة، وهو الذي يسيطر حالياً على واقعنا اليوم محلياً وإقليمياً ودولياً.

ولكن المشكلة أن هذا التراث القديم لم يمنع دولاً تتبناه ذاتياً على مستوى العلاقة الدينية العمودية مع الخالق كمجتمعات وأفراد أحرار في تلك العلاقة، من التطور والتقدم وبناء مجتمعاتها على معايير ديمقراطية وموازين عمل سياسية ناجحة أوصلتها إلى مصاف دول متقدمة كتركيا، وماليزيا، وإندونيسيا وغيرها..

من هنا فجذر العطالة ليس في ثقافة الشعب الدينية، حيث أن شعباً مثل اليابان يتبنى ويعتنق ثقافة أو مذهب "الشنتو" البوذي القديم لم يمنعه من تحقيق التقدم العلمي والتقني، بل جذر العطالة –في رأيي- يكمن في مجمل السياسيات واستراتيجيات العمل السلوكية المطبقة من قبل أنظمة الحكم على هؤلاء الناس، ومدى مقبوليتها عندهم، وقناعتهم بها، وسيرهم على ضوئها في حركة الحياة، على مستوى استثمارهم لها، وخدمتها لهم ووجود منافع ومزايا مادية كبيرة لهم من ورائها..

وقد لاحظنا أن العلاقة التي نشأت بين الدين والدولة في اجتماعنا السياسي الديني الإسلامي كانت علاقة تعايش ورضى متبادل ولم تكن على الإطلاق علاقة اندماج، حيث تمّ لاحقاً إخضاع الدين للدولة العصبية، الأمر الذي ساهم إلى انكفاء هذا الدين على المجتمع والجماعة والتجائه إليهما في مواجهة الدولة ونقله الجزء الأكبر من مهام السياسة وبرامجها وأهدافها إلى قلب الجماعة والأمة حتى صارت هذه الأخيرة أكثر تحريكاً للمشاعر من الدولة، بل فوق الدولة.

من هنا كانت الأزمة أساساً منذ بداية الإسلام الباكر، أزمة هذا الالتباس الترابطي بين عناصر ومكونات الدولة والدين، وهذا هو الذي كان مصدراً لغالبية النزاعات والصراعات التي تفجرت منذ فجر التاريخ الإسلامي، والتي استمرت واستطالت على غير صعيد في حركة التاريخ السياسي للإسلام في مسألة السلطة.

والمشكلة الدائمة كانت على الدوام هنا في غياب أو تغييب أي فهم عقلاني لهذه المسألة السياسية، وإبقاء مجمل مسائلها النظرية والعملية من دون حسم واضح ونهائي، مما أثر على مجمل الحياة السياسة العربية، وجعلها رهناً لصراعات متتالية بين وقت وآخر.. وهذا ما يجعلنا نؤكد بكل راحة واطمئنان أن الدين ومجمل السياسة الدينية التي تمخضت عنه لاحقاً لم تكن مستبدة بالمعنى الذاتي الأولي، بل إن الدولة التي استغلت واستثمرت في الدين هي التي مثلت ـ وستمثل على الدوام حتى تاريخه ـ الجهاز التعسُّفي القمعي الأساسي المغلق الذي كان ـ ولا يزال ـ يتناقض مع السياسة الدينية والمدنية الجماعية، ويناقض أيضاً روح التسامح العميق والتساهل والانفتاح الذي تميزت به تلك السياسة الدينية..

إن حكامنا المستبدين كانوا على الدوام المقر الطبيعي لثقافة القهر الرعناء، وأدوات التسلط والقسرية المجردة والعنف العاري البدائي، وهذا لم يكن له علاقة مع أبسط قيم الدين والتدين الإنساني..

والحاكم عندنا كان ـ ولا يزال ـ يأتي من باب الدين الواسع مستغلاً مشاعر الناس، ثم يكون حاشيته على مزاجه، وبعدها ينطلق ليغلق البلد على ذاته، ويستغل مشاعر وثقافة الناس التقليدية لبناء أمجاد خاصة له ولعائلته وزبانيته، فهذه مسؤوليته الشخصية أولاً، ثم مسؤولية الناس من حوله ثانياً الذين يفترض منطقياً أن يثوروا ضده لأنه لم يكن على مستوى المسؤولية في بناء وتطوير بلده، وهذا ما يحدث حالياً في بلادنا العربية، وإن جاء متأخراً قليلاً، المهم أن قطار التغيير الحقيقي انطلق، الشعوب العربية بدأت تنفض عن كاهلها غبار سنوات طويلة من القهر والعذاب والحرمان وضياع الثروة والمال..

يضاف إلى ذلك، وبما أن حكامنا التنويريين المبجلين الذي جاؤوا إلى الحكم بنظريات ثورية تغييرية على مستوى السياسة والاقتصاد وغيره، وكانت تحت تصرفهم جيوش من المثقفين الأكاديميين الذين نظروا لمقدمهم الميمون وكانوا يؤكدون بأن نظرياتهم العلمية ومتبنياتهم الفكرية الموضوعية ستغير الناس والمجتمعات إلى الأحسن والأرقى، وستبني لهم صروحاً عالية للمجد والسؤدد..

أقول: لماذا لم يتمكن هؤلاء الحكام المثقفون جحداً من إحداث أي تغيير أو تأثير ثقافي حقيقي ملموس على الأرض في وعي الناس لناحية التخلص من هذه التي يسمونها عادات وتقاليد بالية ورثة؟ بل على العكس لقد رأيناهم يوسعون دائرة هذه التقاليد والقيم التقليدية السلبية الموروثة، ويدعمون الرؤية المتعصبة للدين والتدين، ويوظفوا عندهم مشايخ الإفتاء الوعظي التقليدي، ويمررون التراخيص الكثيرة لبناء مواقع التدين وتفسيرات الدين المغلق هنا وهناك، والسؤال هنا: هل يستقيم هذا الدعم اللامحدود لخطاب وسلوك ورموز الثقافة الدينية التقليدية الساكنة مع مشاريع التغيير الثورية العلمية التي أصم هؤلاء الحكام آذاننا بها على مدى عقود طويلة؟ وهل هذه هي التربية العلمية الصحيحة التي وعدوا مجتمعاتهم بها؟ وهل السبب هنا يكمن في أن الحكام أرادوا بهذا العمل إشغال الناس في متاهات ثقافاتهم وسلوكياتهم الدينية والتفرغ لنهب المجتمعات وتجميع الثروات وتكديس الأموال؟!!..

إنني لا أحمل الناس مسؤولية كبيرة في هذا الاتجاه سوى أنها انتظرت وتحملت طويلاً العذاب والقهر والاستبداد الذي هيمن عليها طوال أكثر من ستين سنة، ولكن يبدو أن البوصلة عادت للعمل وبدأت تتجه إلى الجهة الصحيحة..

وهؤلاء الناس الذي سبق وأن حمل كثيرون منهم بكل صدق وأمانة ومسؤولية مشروعات التغيير العربية الثورية وغير الثورية التي وعدوا من خلالها بأن تتحول أوطانهم إلى جنان حقيقية على الأرض، هم الآن يحملون مشروع التغيير الديمقراطي التداولي السلمي، لأنهم أدركوا وبالتجربة التاريخية الحية كذب ونفاق نظمهم الحاكمة خاصة الجمهورية منها، وتأكدوا بأن الحرية هي جوهر الحياة والوجود، ولا تتحقق إلا بدفع أثمان باهظة هم مستعدون لدفعها على مذبح الحرية والكرامة، ورأوا بأم أعينهم أن الحاكم لم يكن يمثل إلا ذاته ومصالحه المتضامنة مع مصالح شبكاته الزبائنية المافيوية، ولهذا لابد من تغييره من خلال بناء بنية سياسية تداولية تعمل على تغييره كل عدة أعوام، وأن سر التطور الوجودي الحديث هو سلامة وصحة وقوة الفرد ذاته، وأنه طالما هناك هزيمة داخلية للفرد العربي في داخل مجتمعاته وأوطانه، وطالما أنه فاقد للثقة بنخبه وطبقته السياسية الحاكمة، وطالما أنه غير قادر على تحصيل معاشه اليومي بشكل طبيعي (مثل باقي الناس في المجتمعات الأخرى) من دون ذل أو مهانة، وطالما لا يشعر بالحرية الحقيقة في التعبير عن رأيه وممارسة النقد بحق حكامه والقيمين على مصيره، وطالما أن تنميته الداخلية مقرونة بحل كامل للصراع مع إسرائيل، فإنه لن يكون هناك أي أمل واقعي في تحسن الأمور وتطور البلاد ونهضة العرب على الإطلاق.

من هنا تأكيدنا على أن حل أزمات الداخل وإعادة الناس طوعاً ووعياً إلى حقل السياسة مؤثرين وفاعلين ومشاركين ومغيّرين ـ كما يحدث الآن ـ هو بداية الطريق لتحقيق الانتصارات الخارجية.. وهاكم عقود طويلة لم تتحرك فيها الخسائر والهزائم من ديارنا العربية، حتى أننا أنسنا بها وألفناه، وقد قادتنا كل الهزائم الداخلية التي تعرضت لها الشعوب والمجتمعات إلى النكبات والكوارث والهزائم الخارجية الدائمة..

يضاف إلى ذلك أنه وعلى الرغم من قيام تلك النخب العربية الحاكمة -التي أجلت بناء الداخل لمصلحة الانتهاء من أزمات الخارج- بتطبيق استراتيجيات متعددة (اقتصادية وسياسية وعسكرية حربية وو..الخ) لمواجهة أعباء التحرر الخارجي وتحرير الأراضي المحتلة، فإنها لم تتمكن إطلاقاً من السيطرة على معادلة الصراع الأساسية.. ولم تصل إلى أية نتيجة مضمونة بهذا الخصوص؟!.. فهل تحررت الأرض والأوطان؟! هل قامت الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع وبعض فلسطين (حتى لا نقول فلسطين من النهر إلى البحر؟!)..

وبالنتيجة يمكننا القول بأن معادلة الصراع ضد إسرائيل وضد غيرها، لا يمكن أن تكون منتجة وفاعلة ومؤثرة في عالم اليوم إلا بتغيير مقدماتها الأساسية وهي هنا متمثلة في بناء وتحقيق شروط النهضة العربية المنشودة بما يؤدي إلى تغيير موازين القوى الداخلية لمصلحة الناس والسلام والأمن المجتمعي ككل.

وهذا يعني بالعنوان الأولي لا الثانوي إعادة الاعتبار للشعب والمجتمع في مشاركته الحقيقية في العملية التنموية الشاملة.. أي نزع القيود عن مشاركة الناس والمجتمعات في الحركة الوطنية العامة، والتعاطي معهم كأفراد يحتاجون إلى الاحترام والتقدير والكرامة والعزة، والشعور بالحرية والثقة بالنفس.. كمقدمة أساسية للبدء الجدي بعملية الإبداع والإنتاج والتطور.

إننا نعتقد أن إصلاح الحاضر كمقدمة للنهوض به من أجل استثمار رابح للمستقبل لمصلحة الأمة ككل لا بد وأن يمر أولاً على طريق إصلاح الماضي المسيطر عليناً حالياً وربما مستقبلاً. فالماضي ـ بما هو خزان الفكر والثقافة وذاكرة الأمم والشعوب والحضارات ومستودع العناصر الروحية والمادية فيها ـ لن يموت، بل سيبقى فاعلاً بقوة في مختلف جوانب عالمنا العربي والإسلامي، فهو المحرك الأهم لطاقات شعوبنا، وهو المحرض الأهم لديها للفعل والإنجاز والعمل.

وهذا يلزمنا كمثقفين منتجين للمعرفة القيام دوماً بدراسة ووعي ونقد هذا التراث المادي والروحي الكمي الكبير المسيطر على العقول والأفئدة عندنا على ضوء معطيات الثقافة والفكر الإنساني المعاصر والمتطور.. وهذه العودة لا تعني أن ننساق وراء القديم وهي لا تعني مطلقاً أن نستعيد التاريخ المنقضي تكرارياً واجترارياً كما نقول دائماً، ولا هي إتّباع وتقليد أعمى لكل ما هو جديد، وإنما هي حركة نقدية لواؤها العقل والتفكير النقدي الحر، مصباحها الواقع والتطورات الكبيرة الهائلة في الزمان والمكان. أي أنها عودة عقلانية صرفة تعني رؤية التراث الماضي، في ما هو، وفي جميع أحواله، لكي نعرف كيف ننفصل لنغادر ونفارق، وكيف نتصل لنتفاعل ونتعاون.

وبالاستناد إلى ما تقدم نؤكد أن مواجهة الخارج مرهونة كلياً لبناء الداخل، وإصلاح مكوناته الذاتية القائمة، وبناء فرد سليم معافى خال من الأمراض، يمكنه المساهمة ـ مع باقي أفراد المجتمع ـ في إبداع عناصر القوة "الاجتماعية ـ السياسية" والعلمية والتكنولوجية اللازمة للتحرر الخارجي.. وقبل ذلك هو قادر على بناء دولته المدنية على أساس التداول والمواطنة تحت سقف القانون والحريات العامة والخاصة والفصل المنهجي بين الجماعات الدينية والإثنية وحقها في التعبير عن نفسها.

اعلى الصفحة