|
|||||||
|
بعد تعديل الدستور الذي اقترحه الملك محمد السادس في 9مارس 2011 في خطوة وصفها المراقبون بأنها حركة استباقية لتفادي الاحتجاجات الشعبية التي شهدها المغرب بعد نجاح الثورتين التونسية و المصرية في الإطاحة بالنظامين الديكتاتوريين الحاكمين في كل من تونس و مصر،ثم إقرار الدستور الجديد في استفتاء شعبي نُظم في 1 يوليو الماضي، دُعِيَ المغاربة مرّة أخرى إلى صناديق الاقتراع يوم الأحد 25 نوفمبر 2011، حيث جرت الانتخابات الاشتراعية المبكرة في كامل أنحاء المملكة المغربية لتجديد مجلس النواب والجمعية المغربية ، التي تضم 325 عضوا ينتخبون بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات - والتي تحتاج إلى إضافة 70 مقعداً لحصة النساء والشباب. إن تجربة المغرب الديمقراطية جديرة بالنقاش والاهتمام، في ظل عالم عربي يعيش ربيع الثورات العربية الذي بدأ يقوض نهج الانغلاق السياسي, لكن هذه الديمقراطية سوف تظل معطوبة إن لم تقرن مسألة الإصلاح السياسي بالإصلاح الاقتصادي، لكي تقدم الديمقراطية حلولاً للتحديات التي يواجهها المغرب. فالمطلوب من الأحزاب المغربية أن تتخلص من النقاش حول كيفية صنع المؤسسات، إلى الانتقال إلى النقاش حول ما يجب أن تصنعه هذه المؤسسات، لكي تعطي حلولاً. وبات التناوب على السلطة حقيقة ملموسة في المغرب، منذ أن أشرفت حكومة عبد الرحمن اليوسفي الائتلافية، زعيم الحزب الاشتراكي للقوات الشعبية سابقاً, على سير الانتخابات التشريعية التي جرت في المغرب يوم الجمعة 27 سبتمبر 2002، والتي أحدثت تغييرات جديدة في ما يتعلق بمواقع نفوذ الأحزاب السياسية. ومن المعلوم أن المغرب يحاول أن يشكل الوعاء اليوم لاستيعاب الديمقراطية. وعملية الاستيعاب هذه تقتضي من دون شك إجراءات تتميز بالقدرة على تحقيق الوئام بين الإيديولوجيا الديمقراطية الوافدة من الغرب، والثقافة السياسية السائدة لدى الدولة المخزنية في المغرب، بصورة تتماشى مع ذهنيات الشعب المغربي. عندما خلف والد الراحل الحسن الثاني في يوليو عام 1999، كان الملك محمد السادس هو الملك 23 من السلالة العلوية التي تحكم المغرب، وهي أقدم سلالة في التاريخ المعاصر. ومع أن الملكية في المغرب تتحول تدريجياً إلى نظام ملكي دستوري، فإن هناك قوى سياسية مغربية عديدة، تضم في صفوفها: حركة الشباب، والتيارات العلمانية، وحركة العدل والإحسان التي يقودها الشيخ عبد السلام ياسين، تدعو إلى إقامة ملكية برلمانية على الطريقة البريطانية، إذ تقول حركة 20 فبراير ـ تاريخ بدء الحركة الاحتجاجية الشعبية التي عمت المدن المغربية الرئيسية ـ :«إننا نريد ملكاً يسود، لكنه لا يحكم». وكما هو الحال في معظم البلدان العربية عقب نجاح الثورة التونسية، انتقدت حركة 20 فبراير التي تضم في صفوفها شباب الخريجين من الجامعات العاطلين عن العمل، بشكل مباشر،المخزن، أي السلطة المغربية، بسبب استشراء الفساد. وفي ظل هذا الوضع المتفجر الذي كان ينذر بقيام ثورة شعبية، ذهب القصر الملكي في مسيرة قسرية نحو تحقيق الإصلاحات. وفي 9 مارس2011، أعلن الملك محمد السادس (47 سنة) في خطاب إلى الأمة، أنه سيحول مشروع الأقاليم الذي كان ينوي إقامته (مقدمة من المحافظين المنتخبين، بما في ذلك الصحراء الغربية) إلى مشروع لإصلاح سياسي أوسع ،يشمل كذلك إصلاح الدستور. وقد نصّ الدستور الجديد على احترام حقوق الإنسان، وتمت الإشارة في الديباجة، إلى الجذور «اليهودية والأندلسية» في الثقافة المغربية، والاعتراف بالبربرية كلغة رسمية ثانية للمملكة، واختفاء مفهوم قدسية الملك (حل محله الاحترام الواجب له)، أو تعيين رئيس للحكومة من الحزب الذي يحتل المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة التي تفرض أن يكون رئيس الوزراء من الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات.. ومع إقرار الدستور الجديد، والإعلان عن إجراء انتخابات تشريعية مبكرة، واصلت حركة «20 فبراير» الشبابية المعارضة حملتها الداعية لمقاطعة الانتخابات هذه، التي تصفها بـ«المهزلة»، حيث نظمت احتجاجات يوم الأحد 20 نوفمبر الماضي، وشارك بها نحو 10 آلاف شخص في مدينة طنجة بشمال البلاد وأعداد أصغر في الدار البيضاء والرباط.. وتعتبر «حركة 20 فبراير» أن الدستور غير ديمقراطي ويسمح للبلاط الملكي بالسيطرة على الجيش والسلطة التنفيذية والدينية والقضائية. وتضيف أن وزارة الداخلية ما زالت تسيطر على هذه الانتخابات التي شهدت عودة بعض الساسة الذين عرفوا بتورطهم في التربح والفساد كمرشحين. اقتراع اختباري للتغيير في المغرب لقد سجل نحو 5.13 مليون مغربي أسماءهم للاقتراع في الانتخابات التاسعة التي يشهدها المغرب منذ استقلاله عن فرنسا عام 1956، من أصل عدد السكان 33 مليون نسمة، إذ يستهدف الاستحقاق الانتخابي هذا تجديد الطبقة السياسية المتهمة بالفساد من قبل قسم كبير من السكان المغاربة، والإفساح في المجال لدخول الإصلاحات الدستورية التي اقترحها العاهل المغربي حيز التطبيق الفعلي، لاسيما بعد أن قبل هذا الأخير التخلي عن بعض من صلاحياته لمصلحة الحكومة. وعلى الرغم من مشاركة 31 حزباً في هذه الانتخابات التي يتنافس فيها 5392 مرشحاً على 395 مقعداً نيابياً، بينها 60 للنساء و30 للشباب دون الأربعين من العمر، فإن المنافسة الحقيقية انحصرت بين تكتلين كبيرين: الأول ويمثله الإسلاميون من حزب العدالة و التنمية بزعامة عبد الإله بلكيران، والثاني التكتل من أجل الديمقراطية ـ الملقّب بجي 8- المتسم بطابع ليبرالي، والمتكون من ثمانية أحزاب قريبة من الملك محمد السادس، إذ استطاع التحالف الرباعي المتكون من حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يرأسه صلاح الدين مزوار وزير المالية الحالي، ويضم في صفوفه رجال أعمال وكوادر تكنوقراطية وله 38 نائباً في البرلمان، وحزب الأصالة والمعاصرة المعروف باسم «حزب الملك»، ذلك أن مؤسسه فؤاد عالي الهمة هو صديق مقرب للملك، وقد تشكل هذا الحزب سنة 2008، بعد الانتخابات التشريعية لسنة 2007، ويتزعمه محمد الشيخ بيد الله، والحركة الشعبية التي يتزعمها امحند العنصر، والاتحاد الدستوري، أن يضم أربعة أطياف حزبية أخرى إلى صفه، والأمر يتعلق بمكونات يسارية صرفة هي الحزب الاشتراكي، واليسار الأخضر، والحزب العمالي، إضافة إلى حزب النهضة والفضيلة المنشق عن حزب العدالة والتنمية. تقول الأستاذة الجامعية خديجة محسن فينان، في جامعة باريس 8، والباحثة المتخصصة في الشؤون المغاربية في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية، «أن هناك نموذجين مختلفين جداً من الحكم يتقابلان. فالذين سيصوِّتون للمرشح الإسلامي، سيصوتون لمرشح المقربة، وهواء المرحلة، والعدالة الاجتماعية. أما الذين سيصوتون لحزب التكتل من أجل الديمقراطية، فإنهم سيختارون الخبرة، والتكنوقراطية، من أجل إدارة الأزمة»(صحيفة لوموند الفرنسية 25/11/2011). لقد بلغت نسبة إقبال الناخبين في هذه الانتخابات إلى حوالي 45%، وهو ما يضفي طابع النسبية على نتائج الانتخابات هذه. لا شك أن هذه النسبة تعتبر أعلى من نسبة العام 2007 التي وصلت إلى 37%، لكن الجسم الانتخابي للمسجلين يعد، في إطار آخر، إضافة مليونين من الأشخاص، وامتناع عن التصويت في دوائر انتخابية عديدة، بلغت أرقاما ًقياسية، لاسيما في الشرق، وفي منطقة الريف، وفي حي سيدي مؤمن، في ضواحي مدينة الدار البيضاء، التي انطلقت منها الأعمال الإرهابية في سنة 2003. هناك مجموعة من الأسباب تشرح لنا عدم اهتمام المغاربة بهذه الانتخابات التشريعة، منها: أولاً: الشعور العام لدى قسم من المغاربة أن هذه الانتخابات لن تغير شيئاً في مجرى حياتهم، ثانياً: أن الأحزاب السياسية لا تعبر عن طموحات المغاربة، وبالتالي هم لا يجدون أنفسهم فيها. ثالثاً: أن نصف سكان المغرب أميون. وقال أستاذ الحقوق في جامعة الرباط عمر بندورو أنه «بالنسبة إلى السلطة، ستتيح لها نسبة مقترعين كبيرة إضفاء صدقية على الإصلاحات الدستورية»،ومنح المملكة «صدقية وصورة جيدة في الخارج». واعتبرت حركة «20 فبراير»، التي دعت إلى مقاطعة الانتخابات، أن نسبة المشاركة في الانتخابات تعدّ بمثابة فوز لها، إذ تؤكد على أن الناخب المغربي مقتنع بأن التعديلات الدستورية لا تعدو كونها تغييرات جماليّة لا علاقة لها بالجوهر. وأعلنت وزارة الداخلية في بلاغ رسمي صدر في وكالة الأنباء الرسمية عن النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التي جرت منذ أسبوعين، لانتخاب 395 مجموع أعضاء مجلس النواب الغرفة الأولى في البرلمان المغربي. وحصل حزب العدالة والتنمية الإسلامي على 107 مقاعد، متبوعاً ثانياً في الترتيب بحزب الاستقلال بـ 60 مقعداً، ويليه ثالثاً حزب التجمع الوطني للأحرار صاحب التوجه السياسي الليبرالي بـ 52 مقعداً، فحزب الأصالة والمعاصرة ذو التوجه الاجتماعي الديمقراطي رابعاً، والذي أعلن رسمياً توجهه صوب المعارضة، بـ 47 مقعداً، فحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أكبر حزب يساري في المغرب، خامساً بـ 39 مقعداً. ويليه سادساً في الترتيب النهائي لتشريعات نوفمبر في المغرب التي أتت 4 أشهر على تصويت المغاربة بنسبة 73% على الدستور الجديد، حزب الحركة الشعبية الليبرالي الاجتماعي بـ 32 مقعداً، وسابعاً أتى حزب الاتحاد الدستوري اليميني بـ 23 مقعداً، وثامناً وبـ 18 مقعداً جاء حزب التقدم والاشتراكية اليساري. قراءة في الانتخابات والخريطة السياسية الجديدة في المغرب مما لا شك فيه أن وصول حكومة إسلامية إلى السلطة بقيادة حزب «العدالة والتنمية» في المغرب سيكون له وقع كبير، ربما حركة من التغيير السياسي في بلدان العالم العربي، ولاسيما أن الانتخابات التي جرت مؤخراً في كل من تونس والمغرب، وفي مصر لاحقاً، أظهرت مهارة الأحزاب الإسلامية في الاستفادة من الحريات السياسية الجديدة لكسب حجم من النفوذ والشرعية لم يسبق له مثيل في العالم العربي. وتعتبر القوة المتنامية للأحزاب ذات القواعد الدينية العنصر المفاجئ الأكبر الذي طرأ على رؤية الولايات المتحدة الأمريكية لعملية استبدال الأنظمة الديكتاتورية بالديمقراطية. لقد أكد الإسلاميون صعودهم القوي في المغرب مع إعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التي أظهرت فوز حزب العدالة والتنمية بـ107 مقاعد برلمانية من أصل 395، حسبما صرح وزير الداخلية الطيب شرقاوي، متقدماً بمعدل الضعف على منافسه حزب الاستقلال بزعامة رئيس الوزراء عباس الفاسي الذي حلّ في المرتبة الثانية. ويلزم احتلال حزب العدالة والتنمية المرتبة الأولى في هذه الانتخابات الملك بدعوة أمينه العام عبد الإله بن كيران في مهلة لا تتخطى الـ24 ساعة ليكلّفه بتشكيل الحكومة، ثم يترك الدستور للرئيس المكلّف الحرية في اختيار التحالفات والائتلافات الحكومية. وكان حزب العدالة والتنمية قد فاز في الانتخابات التشريعية التي جرت في المغرب يوم 7 سبتمبر 2007، بنحو 47 مقعداً من أصل 325 مقعداً في البرلمان المغربي، وأصبح بذلك حزب المعارضة الرئيسي في البرلمان المغربي الذي يحظى بصدقية عالية، إذ أن موقفه المناوئ للفساد يلمس وتراً حساساً في بلد تشتد فيه مشاعر الاستياء من النخبة السياسية. في البداية، تجمع الإسلاميون في المغرب على مستوى الشكل بجماعتين كبيرتين هما جماعة «العدل والإحسان» المحظورة, وجماعة «الإصلاح والتجديد» التي تشكل المرجعية الفكرية والبعد الإستراتيجي لحزب« العدالة والتنمية», وهو حزب معتدل معارض يندد بالعنف بكل أشكاله. وكانت جماعة «العدل والإحسان» التي يتزعمها الشيخ عبد السلام ياسين قد أعلنت مقاطعتها للانتخابات, وهي التي دأبت على مقاطعة كل الاستشارات الشعبية السابقة, ولم تُصدِر أي بيان يدعو أعضاءها والمشايعين لأفكارها للتصويت أو للمقاطعة, ما أبقى الخيار مفتوحاً أمام العديد من المتعاطفين الذين يصعب ضبط مصير أصواتهم عندما توجهوا إلى صناديق الاقتراع, خصوصاً أن كل الأحزاب المغربية تتبنى الإسلام كمرجعية لها, وبعضها عمد إلى مغازلة هؤلاء الإسلاميين من خلال تبني مواقفهم عندما طرحت الحكومة قبل سنتين خطة لإدماج المرأة في التنمية, اعتبرت التيارات الإسلامية بعض بنودها مخالفاً لقوانين الشريعة الإسلامية, وأدت في حينها إلى مواجهات كبيرة بين الأحزاب ذات التوجهات اليسارية والتيارات الأصولية, التي ساندتها بعض الأحزاب اليمينية في مواقفها. أما جماعة «الإصلاح والتجديد» التي عبّرت دائماً عن مواقف معتدلة في تعاطيها مع طبيعة النظام المغربي, فقد قبلت منذ عدة سنوات الدخول في اللعبة السياسية الديمقراطية المغربية من دون أي اشتراط لتغيير قوانينها المتوافق عليها بين جميع الحساسيات السياسية والمؤسسة الملكية في المغرب. واستطاع أعضاء هذه الجماعة أن يشاركوا لأول مرة في الاستحقاقات التي شهدها المغرب عام 1997 من خلال انضمامهم إلى حزب «الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية» بقيادة الدكتور عبد الكريم الخطيب. واستطاع الحزب الذي كان طي النسيان أن يفوز بتسعة مقاعد. ثم انضم إليه لاحقاً عدد آخر من نواب الأحزاب الأخرى فصارت له كتلة برلمانية من 14 نائباً. وفي خطوة ذكية منه أيد الحزب في البداية حكومة عبد الرحمن اليوسفي لكسب ثقة السلطة قبل أن يتحول إلى أشد المعارضين لها, وقبل ذلك غير اسمه ليصبح حزب «العدالة والتنمية» الذي لم تعد تربطه بالحزب القديم الذي دخل باسمه الإسلاميون لأول مرة تحت قبة البرلمان المغربي, سوى وجود زعيمه الدكتور الخطيب الذي يعتبر من رعيل القيادات الوطنية والحزبية العريقة أمثال عبد الرحمن اليوسفي وزعيم حزب الاستقلال عباس الفاسي, وبات يحتل مركزاً شرفياً داخل الحزب. ويعتبر حزب العدالة والتنمية في عرف المغاربة حزب الاعتدال, ويستند حسب مصادره, إلى جمعيات وخلايا ثقافية إسلامية التوجه, كمعظم الأحزاب والتيارات الإسلامية السياسية. وللحزب صحيفة يومية اسمها «التجديد» وتوزع نحو 90 ألف نسخة يومياً, وله مجلة أسبوعية باسم «العصر», وله أيضاً مجلة فكرية شهرية اسمها «الفرقان». وكان حزب العدالة والتنمية قد اتهم أوساطاً «علمانية متطرفة» وأطرافاً أجنبية بالقيام بـ«عمليات تضخيم لأحداث معزولة وفردية» في إشارة إلى أحداث العنف الأخيرة التي اتهمت السلطات المغربية جماعة «السلفية الجهادية» بارتكابها في بعض المدن المغربية سنة 2006. ويتميز حزب العدالة والتنمية بمناهضته التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبمبادراته لمكافحة الفساد في المؤسسات العامة بالمغرب، وضد مظاهر التفسخ الأخلاقي والانحرافات الاجتماعية. فالحواجز التي وُضِعت أمام أنتشار الإسلام السياسي في المغرب لم تؤدِّ إلى تراجع نفوذه، بل قد تكون عززت صدقيته أمام الأحزاب العلمانية التي تصنف بأنها قريبة من الحكم ومؤيدة للغرب. من هنا يبدو أن رياح الناخبين هبت في الاتجاه الذي كان الإسلاميون يريدونه على نحو عزز «الاختراق» الذي حققته الجماعات المعتدلة في انتخابات سابقة. فقد تصرف «حزب العدالة والتنمية» بحكمة سياسية قل نظيرها، منذ بدء موجة الاحتجاجات والإصلاحات التي شهدها المغرب، حيث اختار كوادره ركوب موجة النظام، فـ«جنح بثقله الكاريزماتي والتنظيمي في ترويج كل البرامج الإصلاحية للنظام ودعم توجهاته الجديدة»، حسب ما كتبت مجلة «لوبوان» الفرنسية، وقد أعلن بذلك طلاقه النهائي عن حركة «20 فبراير»المعارضة وعن الحركة الإسلامية الراديكالية في المغرب، جمعية«العدل والإحسان». وكما تضيف المجلة الفرنسية، لعل هذه «الحكمة السياسية» آتت ثمارها في الانتخابات الأخيرة في «معادلة قامت بين نظام يسعى للإصلاح وحزب إسلامي يقدم نموذجاً قابلاً للتصدير عربياً ودولياً، باعتباره سيناريو ناجحاً للثورة الأنجح، من دون الانزلاق في دعوات التيار المقابل المصر على «إسقاط الاستبداد» بعيداً عن أي إصلاح يبقى في نظره صورياً». لقد طور «حزب العدالة والتنمية» من دائرة استقطابه الاجتماعي، بالقياس إلى انتخابات سنة 2007، هذا ما يؤكده العثماني، وهو كان المرشح الثاني بعد بن كيران لرئاسة الحكومة، حين يقول أن «هذه المرة، كان الفوز حاسماً وبلا منازع. ارتفع رصيد العدالة والتنمية في العديد من المدن المغربية، إذ لم يعد حزب الطبقات الوسطى والفقيرة التي تشعر أنها مهمشة عن مراكز القرار التي تديرها النخب الفرنكوفونية فحسب، بل بات يضم التجار والحرفيين والموظفين، واستطاع خطابه الذي ينادي بمكافحة الفساد واستقلال القضاء أن يلقى آذاناً صاغية لدى الجماهير التي تريد أن تسمع كلاماً مطمئناً». إن تجديد الدولة المخزنية، وانتقال المغرب إلى ملكية دستورية على نمط ما هو سائد في الديمقراطيات الكلاسيكية الغربية، أمر مرهون ببراعة الأحزاب السياسية المغربية المرتبطة بالعرش والمعارضة على حد سواء، وبالوضع الدولي والتوازنات الداخلية. وفيما سيتعيّن على الإسلاميين أن يحكموا في ائتلاف مع أحزاب أخرى، أقر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران أن حزبه سيعمل على وضع برنامج يرضى به شركاء يقبلون الائتلاف معه. وقال بن كيران، في حديث لقناة فرانس 24 التلفزيونية، إن حزبه «منفتح على الجميع لتشكيل تحالفات»، مضيفاً «نحن ملزمون بإعادة النظر في البرنامج لنتفق على برنامج مشترك، لكن الأمر الأساسي في برنامجنا وبرنامج من سيحكمون معنا يقوم على محورين هما الديمقراطية والحكم الرشيد». وقد تعهّد أمين عام «العدالة والتنمية» بأن حزبه سيلتزم مبدأ الولاء للملكية. من جهة أخرى، أعرب الحزبان المنضويان ضمن الائتلاف الحاكم المنتهية ولايته، حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية، عن استعدادهما للدخول في ائتلاف حاكم مع «العدالة والتنمية». كما أعرب حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أسسه في العام 2008 عدة سياسيين مقربين من الملك، عن انفتاحه على الدخول في ائتلاف حاكم مع الإسلاميين. لا شك أن هذه الانتخابات التشريعية تميزت عن مثيلاتها السابقة ليس لكونها ثمرة الإصلاح السياسي الديمقراطي في المغرب فقط، بل لأنها كانت في حد ذاتها حلقة مصيرية في هذا الإصلاح. فالإيجابي عند المغاربة أنهم خرجوا من دوامة الجدل حول صنع الخريطة السياسية، بعد أن خرجوا من أجواء القطيعة والتشنج، لينضموا في مسيرة تطوير وإصلاح المؤسسات الدستورية، ووضع المغرب على سكة ودرب الحداثة والديمقراطية. ضمن هذا السياق عيّن الملك محمد السادس عبد الإله بن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الإسلامي في المغرب رئيسا جديدا للوزراء بعد فوز حزبه بأغلبية المقاعد في الانتخابات البرلمانية التي جرت الأسبوع الماضي. عبد الإله بن كيران زعيم حزب العدالة سيشكل الحكومة الجديدة طبقاً للدستور الجديد المُقِر في الصيف الماضي،و هو سيقود عمليّة تحوّل انتقالية منظّمة للديمقراطية برعاية ملكٍ متنوّر.. والسيّد عبد الإله بن كيران، وهو دون شكّ أقرب قادة حزب العدالة والتنمية إلى القصر الملكي،و هو مستعد للدخول في تحالفات من أجل تشكيل ائتلاف حكومي جديد. رئيس الحكومة المعيّن عبد الإله بن كيران زعيم «العدالة والتنمية» لم يحدث أن قابل العاهل المغربي الملك محمد السادس قبل هذا الحدث، وجاء اختيار تعيينه في مدينة ميدلت وسط شرقي البلاد التي تُعتبر مدخل منطقة تافيلالت، مهد الدولة العلوية، متزامناً مع بدء انطلاق «حملات التضامن» التي يرعاها العاهل المغربي منذ توليه العرش كتقليد أخلاقي واجتماعي. لكن تزامن حدث انطلاق الحملات مع التكليف الحكومي يعكس الحاجة إلى تضامن آخر سيكون على الزعيم الإسلامي بن كيران أن يحيط به الفريق الحكومي لما بعد اقتراع الجمعة الماضي الذي حمل «العدالة والتنمية» إلى واجهة الحياة السياسية، حسب قول الصحافي المغربي محمد الأشهب في صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 30/11/2011. . هل يبدأ المغرب بملاقاة النموذج التركي؟ من الواضح أن تجربة «حزب العدالة والتنمية» في تركيا تقدم لحزب العدالة والتنمية المغربي صورة مشرقة عن وجه الإسلام المعاصر القادر وحده على محو التهمة الشائعة في الأوساط العلمانية، والمتمثلة في عداء الإسلاميين للديمقراطية، الأمر الذي يتطلب التحذير من دخولهم طرفاً في المنتظم السياسي القانوني إن في موقع السلطة أو المعارضة، وهو اتهام خطير لما يحمله من رسالة تحريضية استعدائية وترهيبية شديدة لأنظمة هي أصلاً ما اعتادت أسلوباً للحكم غير أسلوب الانفراد والتسلط. وكانت التجربة التركية رائدة حين وضعت الغرب والإسلاميين أمام محك احترام الديمقراطية أم لا، وكانت التجربة ناجحة. وعلق على ذلك الفوز الدكتور سعد الدين العثماني زعيم حزب العدالة والتنمية المغربي السابق بقوله: «لقد كشفت انتخابات تركيا عما تتوفر عليه الدول الإسلامية من طاقات كامنة إذا توفر لها الإطار السليم من ديمقراطية ونزاهة، فسرعان ما تنهض الشعوب وتشارك بقوة، حتى بلغت نسبة المشاركة 80%، وهي تعبئة جماهيرية ضرورية للتنمية والولوج إلى عالم الحداثة، وكان غياب تلك التعبئة سببا في فشل محاولات النهوض» (صحيفة لوموند ديبلوماتيك ، آب 2007). ويتجه الفكر الاستراتيجي في الغرب أساساً، إلى التسليم بكون إدماج الحركات الإسلامية المعتدلة في العملية السياسية في مختلف البلدان العربية، ضرورة لا بد منها لمواجهة عنف الجماعات الأصولية المتطرفة، التي يمثل تنظيم القاعدة طليعتها.. وفي سياق انفتاح الغرب على الحركات الإسلامية المعتدلة، تم على سبيل المثال، استقبال السيد سعد الدين العثماني رئيس حزب «العدالة والتنمية» المغربي، في باريس وفي واشنطن في سنة 2007، لأن هذه العواصم لا تتعاطى مع مثل هذه الأمور بالعواطف، بقدر ما تتفاعل بالعقل، وتعتقد أن أمام المغرب، إما أن ينجح في تجربة ديمقراطية يكون الإسلاميون جزءا منها، أو يكون الفشل على الطريقة الجزائرية، وهو أمر ينافي مصالح الغرب مثلما يتعارض مع مصالح شعوب المنطقة. بعد الفوز الذي حققه الإسلاميون من حركة النهضة التونسية في الانتخابات التي جرت يوم 23 أكتوبر الماضي، ها هم الإسلاميون المغاربة من حزب العدالة والتنمية يحققون بدورهم فوزاً كاسحاً في الانتخابات التي جرت يوم الأحد 25 نوفمبر. ويتماهى حزب العدالة والتنمية المغربي إلى ناحية الحزب التركيّ، حامل الاسم عينه، والتابع لرئيس الوزراء رجب طيّب أردوغان. من الواضح أن التيارات والأحزاب الإسلامية العربية التي قبلت الدخول في المسار الديمقراطي في العالم العربي، ونبذت اللجوء إلى العنف، وأصبحت تنادي ببناء الدولة المدنية، تبنت الخطاب الأيديولوجي والسياسي لـ«حزب العدالة والتنمية» التركي، وتقول إنها تريد أن تحذو حذو «حزب العدالة والتنمية » التركي، وأن تجربة هذا الأخير تظهر أن دعمهم للديمقراطية على الطريقة الغربية حقيقي. وفي هذا السياق من اعتبار المشروع السياسي لـ«حزب العدالة والتنمية » التركي مثالاً للأحزاب الإسلامية في العالم العربي، فهل بإمكان الأحزاب الإسلامية المعتدلة التي حققت فوزاً انتخابيا في كل من تونس والمغرب، وربما لاحقاً في مصر، أن تثبت قدرتها على تحقيق التنمية الدستورية والسياسية والاقتصادية والإصلاح الاجتماعي لدى العمل في بيئة ديمقراطية وحرّة وعادلة، واحترام قيمة الجمهورية العلمانية؟. حركة النهضة، وحزب العدالة والتنمية المغربي، وحركة الإخوان المسلمين في مصر، تنتمي إلى القوى الأكثر مطالبة بالديمقراطية وباحترام حقوق الإنسان، وببناء الدولة المدنية لماذا؟.. لأن هذه الحركات الإسلامية في أكثر الأحيان كانت أولى ضحايا غياب الديمقراطية في العالم العربي، لذل باتت تدرك في العمق ما تعنيه غياب القيم الديمقراطية والثقافة الديمقراطية. لكن إذ عبدت هذه الديمقراطية الطريق لوصول هؤلاء الإسلاميين إلى السلطة، فهل يلتزمون بمبادئ الديمقراطية لجهة بناء الدولة المدنية، وبالتالي يؤسسون لتيار الديمقراطية المسيحية داخل العالم العربي، كما هو سائد في أوروبا؟. إنه الاختبار الحقيقي للحركات الإسلامية المعتدلة، التي لا تزال التقاليد الديمقراطية والثقافة الديمقراطية غائبتين أو ضعيفتين في فلسفتها السياسية. ليس من شك في أن انتصارات الشعب المغربي كبيرة، وهي ناتجة من السياسات التي كانت متبعة خلال عقود متتالية. ويتطلب أي إصلاح ديمقراطي... أو أي تغيير حقيقي في المغرب، إحداث انقلاب فعلي في العلاقات بين سلطة المخزن والمجتمع المدني، بما يسمح بالانطلاق من تطوير أجهزة الدولة، وتحسين عمل المؤسسات، أي وضع القوانين الأساسية لتطور ديمقراطي سليم، يسير في اتجاه ترسيخ دولة الحق والقانون، وتقوية دور الأجهزة الحزبية، والنقابات، وجمعيات المجتمع المدني. ولو تحقق مثل هذا الانقلاب في العلاقة بين سلطة المخزن والمجتمع المدني، فإن تحولاً راديكالياً سيطرأ على طبيعة الديمقراطية عينها: فمن ديمقراطية تمثيل ستتحول أيضاً إلى ديمقراطية مشاركة... والديمقراطية إما أن تكون تشاركية وإما لا تكون ديمقراطية أصلاً.
|
||||||