الصراع بين النبي (ص) واليهود في المدينة
بنو النضير نموذجاً

السنة الثالثة عشر ـ العدد 152 ـ (شهر شوال 1435 هـ)آب ـ 2014 م)

بقلم: الدكتور علي ناصر(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

تأتي أهمية هذه المقالات في سياق الصراع الإسلامي اليهودي، أو العربي "الإسرائيلي"، والقضية الفلسطينية، التي كانت ولا تزال القضية الأساسية، على الرغم من أن بعض الحكام العملاء لأعداء الأمة العربية والإسلامية حاول تحويل البوصلة إلى صراعات جانبية بعيداً عن التركيز على الأهداف الإستراتيجية، وداخلية تمزق جسد الأمة بعيداً عن العدو الحقيقي، لاعتبارات عديدة،

منها: أنها عنوان ورمز لأرض عربية إسلامية وشعب عربي إسلامي تم اغتصاب حقوقه، وهدر كرامته، وذبح نسائه وأطفاله، وأنها أولى القبلتين وعنوان لمقدسات المسلمين والمسيحيين التي استبيحت من قبل اليهود قتلة الأنبياء والصديقين، وأنها رمز للتكليف الإلهي بجهاد المستكبرين وأعداء الدين، الذين عملوا على تمزيق جسد أمتنا العربية والإسلامية، وأثاروا الفتن، فاستحقوا العقاب، قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾(1)، وأنها عنوان ورمز لكرامة الأمة وعزتها ووحدة مسارها ومصيرها، قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾(2).

وما أكثر أوجه التشابه بين الأمس واليوم، وإن تغيرت ارض المعركة جغرافياً، ولكنها تبقى صراع المنهج والعقيدة، صراع الحق والباطل، صراع المستضعف والمستكبر، صراع التقوى والشيطنة، صراع الصدق والكذب. لقد ذكرنا في المقالة السابقة الصراع بين النبي(ص) واليهود في المدينة، ولاسيما مع قبيلتي بني قينقاع، وبني النضير، حيث كانت بداية الصراع مع يهود بني قينقاع الذين بدؤوا قبل غيرهم من يهود المدينة بتدبير المؤامرات، وإيذاء المسلمين، والقيام بالحرب الإعلامية ضدهم، وقد واجه النبي(ص) اليهود بعدما وجد أنه لم تعد تنفع معهم سياسة الرحمة والعفو والوعظ والإرشاد، فكان لا بد من سياسة العين بالعين والسن بالسن التي أتت أُكُلَها، فحكم على بني قينقاع أن يخلي سبيلهم، ويجليهم عن المدينة، وأن لهم نساءهم والذرية، ولـه الأموال والسلاح.

كما ذكرنا الصراع بين النبي(ص) وبني النضير، وأنهم لم يكونوا أكثر وفاءً من بني قينقاع، فقد عملوا هم أيضاً على نقض العهد مع الرسول(ص)، الذي رأى أن تآمرهم على حياته ومحاولتهم اغتياله - وإن لم ينجحوا في تنفيذ ذلك - نقضاً للعهد يُسوِّغ مواجهتهم بالموقف الصارم والحازم. ورأينا كيف أنَّ الرسول الأعظم (ص) قد آثر أن يعامل بني النضير كما عامل بني قينقاع قبلهم بمزيد من التسامح، على الرغم من أن الجزاء العادل لكل خائن وغادر، إذا كان يخطط ويتآمر لضرب مقام النبوة والقيادة في أعلى مستوياتها، هو حربهم وقتالهم وإبادة خضرائهم. وفي هذا السياق تم ذكر وجهات نظر إستشراقية والرد عليها بطريقة علمية استناداً إلى قرائن تاريخية، وقراءة منطقية لسياق الأحداث.

أولاً-تفاصيل المعركة بين المسلمين وبني النضير

لقد زحف إليهم رسول الله(ص) فحاصرهم خمسة عشر يوماً، حتى صالحوه على أن يحقن لهم دماءهم، وله الأموال والحلقة(3) فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يُخرجهم من أرضهم وأوطانهم ويسيِّرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاء.. وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أُبي بن سلول.. قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنَّعوا فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم فتربَّصوا، فلم يفعلوا وقذف الله في قلوبهم الرُّعب.. ولم يسلم من بني النضير إلاّ رجلان: يامين بن عمير بن كعب، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها، واستخلف رسول الله(ص) إذ خرج لحرب بني النضير فيما قيل ابن أم مكتوم. وكانت رايته يومئذٍ مع علي بن أبي طالب(ع)(4).

فعل يهود بني النضير فعلتهم وهم يظنون أن النبي(ص) لن يستطيع مواجهتهم. ولعلَّ اختلافاً في تاريخ هذه القضية يجعلنا نحلِّل كالآتي: إذا كانت قضية بني النضير قد حصلت بعد وقعة أُحد، فلا بد أن يكون اليهود قد فكروا أن محمداً(ص) وأصحابه قد أصبحوا الآن في موقف الضعف والتراجع، ولعل في تسويف الوقت معهم يحسُّ المسلمون بالفشل وبالكارثة، ويفكرون في انتهاج سبيل السلامة والانسحاب من موقع التحدي إلى موقع المساومة. وأما إذا كانت قضية بني النضير قد حصلت قبل ذلك، وبعد ستة أشهر من حرب بدر، فلعل يهود بني النضير قد فكروا: أن المسلمين سوف لا يفرِّطون بهذا النصر الكبير الذي حققوه، وبالتالي فهم على استعداد لمداراة هؤلاء وأولئك . ولعل اليهود يعتقدون أن حرب بدر كانت أمراً إتفاقياً صنعته المصادفة، والحظ السيئ للمشركين، وليس نتيجة قدرات حقيقية كانت لدى المسلمين.

وتذكر الروايات أن النبي الأكرم (ص) قد أمر المسلمين بقطع نخل بني النضير والتحريق فيه، فناداه اليهود: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيب من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها، فأنزل الله:﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾(5). ونحن نشك في أن يكونوا قد قطعوا عدداً قليلاً من النخل أو أحرقوه، فإنّ قطع نخلة واحدة، وحتى ست نخلات، لا يوجب خضوع بني النضير وقبولهم بالجلاء وخزي الفاسقين، كما أنه لا يوجب نزول آية قرآنية تتحدث عن هذا الأمر وتخلده كأسلوب ناجح في إرعاب العدو وإرهابه، فإنه لا بد أن يكون القطع قد بلغ حداً جعلهم يجنحون إلى الاستسلام، والقبول بما يريده الرسول(ص). وقد استعمل النبي (ص) ابن سلام على قطع نخل يهود بني النضير؛ لأنه كان من علماء اليهود، ما ساعد على بث اليأس في نفوسهم وإذلالهم وخزيهم وكسر شوكتهم، وهم ذوو الغطرسة والعنجهية والخيلاء . فمن الواضح أن الهدف من هذا الإجراء كان الضغط على هؤلاء القوم وإغاظتهم نفسياً.

ولكن رسول الله(ص) يقول: "من قتل صغيراً، أو كبيراً، أو أحرق نخلاً، أو قطع شجرةً مثمرةً، أو ذبح شاةً لاهياً بها، لم يرجع كفافاً"(6). زد على ذلك أن بعض الفقهاء يُحرِّم قطع الشجر أثناء الحرب، وبعضهم يفتي بكراهة ذلك، وبعضهم الآخر يُجوِّزه في حال الضرورة فقط. أضف إلى ذلك كله: أن اليهود أنفسهم قد اعترضوا على النبي(ص) بأنه ينهى عن الفساد، فلِمَ يقطع النخل؟! ومع ذلك فقد تحدث القرآن عن هذا القطع بأسلوب الرضا والقبول، كما ردَّ على الذين عابوا قطع الأشجار، وأكد أن ذلك إنما كان بإذن من الله سبحانه، تماماً كما كان ترك ما ترك منها بإذن الله تعالى.

إذن، فلا بد لنا من التعرف على السرِّ الكامن وراء تجويز هذا العمل وصيرورته مقبولاً بعد أن كان مرفوضاً، فنقول: إنَّ الوقت لم يكن في صالح المسلمين، وإنَّ الذي يبدو لنا هو أن بني النضير أهل الزهو والخيلاء والعزة، كانوا يحسّون في أنفسهم شيئاً من القوة والمنعة في قبال المسلمين، ويجدون أن بإمكانهم مواجهة التحدي فيما لو أتيح لهم إطالة أمد المواجهة، حيث يمكنهم أن يجدوا الفرصة لإقناع حلفائهم بمعونتهم، ولاسيما إذا تحرك أهل خيبر الذين كان لديهم العدة والعدد الكثير. كما أن ابن أُبي ومن معه قد يراجعون حساباتهم ويتمكنون من إحداث بلبلة داخلية، ويفون لهم بما وعدوهم به من النصرة والعون، ولا أقل من أن يتمكن ابن أُبي وأتباعه من إرباك المسلمين وزعزعة ثباتهم من الداخل.

وقد يمكن لقريش ولمن يحالفها من قبائل العرب أن يتحركوا أيضاً لحسم الموقف لصالح بني النضير. ولا أقل من أن يتمكن يهود بني النضير من الاحتفاظ بمواقعهم وبأرضهم وديارهم، حين يجد المسلمون أن مواصلة التحدي لهم لن تجدي نفعاً ما دام يهود بني النضير قادرين على الاحتماء بحصونهم والدفاع عنها مدة طويلة، فيتراجعون عن حربهم، ويتركونهم وشأنهم من أجل التفرغ إلى ما هو أهم وأولى.

إذن، فقد شخَّص النبي(ص) مصلحة في ذلك، فاعتبر أن مفسدة قطع شجر النخيل أقل من مصلحة كبرى وهي إلحاق الهزيمة ببني النضير الذين كانوا يراهنون على عامل الوقت. فإذا استطاع النبي(ص) والمسلمون، كسر عنجهية اليهود وغزو بني النضير قبل أن يستفحل الأمر، وإفهامهم مدى التصميم على المواجهة والتحدي، حتى يفقدوا الأمل بجدوى المقاومة، وليفهموا أنهم إذا كانوا يطمعون بالبقاء في أرضهم، فإن عليهم أن يقبلوا بها أرضاً محروقة، لا تستطيع أن توفر لهم حتى لقمة العيش التي لا بد منها. هذا فيما لو قُدِّر لهم أن يحتفظوا بالحياة، ويخرجوا أو بعضهم سالمين من هذه الحرب التي جرّوها على أنفسهم.

فكان قطع النخيل يمثل قطع آخر آمالهم، وتدمير كل أمانيهم، وغاية ذلهم وخزيهم. ولرأوا حينئذٍ أن لا فائدة من الاستمرار في اللجاج والتحدي إلاّ تكبد المزيد من الخسائر، ومواجهة الكثير من النكسات. فقد كان قطع النخل ضرورياً ولازماً من أجل قطع آمال بني النضير، وكل آمال غيرهم أيضاً، وخزيهم وخزي سائر حلفائهم، وعلى رأسهم ابن أُبي ومن معه من المنافقين، ثم كل من يرقب الساحة ويطمع في أن يستفيد من تحولاتها في تحقيق مآربه ضد الإسلام والمسلمين. ومن هنا نعرف السر في قوله تعالى: ليخزي الفاسقين بدل: (الكافرين)، من أجل أن يشمل الخزي كل من يسوؤه ما جرى لبني النضير، حتى أولئك الذين يتظاهرون بالإسلام، أو بالمودة الكاذبة للمسلمين(7)، وليس معناه أن تكون أولوية المسلمين هي تكفير المسلم الآخر ظلماً وعدواناً، ثم قتاله وقتله واستباحة عرضه وأرضه وماله، بدل أن يقاتل الكافر الحقيقي كما يعتقد بعض من يدعي الإسلام في عصرنا الراهن.

وبعد كل ما تقدم، فقد جاء موقف الإسلام المتمثل في موقف رسوله الأعظم (ص)، في دقته وفي ثاقب بصيرته، على خلاف ما يتوقعون، وبغير ما يريدون ويشتهون. فقد رأى المسلمون، من خلال الموقف النبوي الحازم والقوي، أن عليهم من الآن فصاعداً أن يطردوا من آفاقهم كل مظاهر الضعف والتشرذم والتشتت، فالتحدي كبير والمسؤوليات جليلة وخطيرة، ولا بد من الاستعداد والتصدي، فقد وصل المسلمون إلى نقطة اللارجوع، وأصبح الثمن غالياً وهو دماء زكية. وقد اتضح لدى المسلمين أن أي تراجع أمام التحديات الكبيرة الراهنة، لسوف تلحقه تراجعات أعظم، ويستتبع انحساراً أكبر عن كثير من المواضع والمواقع الحساسة لصالح كل الأعداء والطامعين.

وأما بالنسبة إلى أولئك الذين يميلون إلى الدخول في هذا الدين الجديد، فإنهم حين يرون ضعفه وتراجعه وقوة خصومه وشوكتهم، سوف يجدون في أنفسهم المبررات الكافية للتأني والتريث بانتظار المستجدات، وما ستؤول إليه الأمور. ولربما يتشجع الكثيرون أيضاً على نقض تحالفاتهم، التي كانوا قد عقدوها مع المسلمين ما دام أن ذلك لن يستتبع خطراً، ولا يصطدم بصعوبات ذات بال.

القرار الحكيم

لقد كان من المتوقع بعد نقض بني النضير للعهد وخيانتهم الظاهرة، أن يكون قرار النبي(ص) هو حربهم وقتالهم وإبادة خضرائهم، فإن ذلك هو الجزاء العادل لكل خائن وغادر، إذا كان يخطط ويتآمر لضرب مقام النبوة والقيادة في أعلى مستوياتها، ولكن الملاحظ هو أنَّ الرسول الأعظم(ص) قد آثر أن يعامل بني النضير كما عامل بني قينقاع قبلهم بمزيد من التسامح، ولعلَّ ذلك يرجع إلى الأمور الآتية :

أ ـ إنَّ الإسلام دين تسامح ومسؤولية، وبالتالي فإن إعطاء يهود المدينة فرصةً ثانية لكي يُعيدوا حساباتهم ويعودوا إلى جادة الصَّواب يعني إلقاء المزيد من الحجة عليهم.

ب ـ إنَّ هؤلاء القوم قد عاشوا دهراً في هذه المنطقة، وأصبحت لديهم الكثير من العلاقات الاقتصادية والتجارية، إلى جانب علاقات الصداقة مع سائر أهل البلاد.

ج ـ إنَّ رؤية ما يصدر منهم خلال ذلك ومراقبته من مواقف ماكرة وغادرة، ومن مخالفات صريحة للأعراف ولأحكام العقل والفطرة والضمير، لسوف يُسهم في كشف زيفهم وخداعهم وغشهم للإسلام وللمسلمين.

لقد جاء قرار إجلائهم عن المدينة ليكون القرار الحكيم والصائب، وقد أبلغهم النبي الأعظم(ص) بقراره هذا عن طريق رسول أرسله إليهم، ليرى ماذا يكون جوابهم ويعلم الناس حقيقة موقفهم . لكن لماذا اختار النبيّ(ص) رسولاً أوسياً ؟ فنقول: إن الأوس كانوا حلفاء لبني النضير، ولربما كان يدور بخلد بني النضير أن يكون للأوس دور إيجابي لصالحهم، ولا أقل من أن يكون لهم موقف فيه شيء من العطف، وعدم القسوة تجاههم . إذا عرفنا ذلك، فإن اختيار رجل الأوس ليحمل رسالة النبي(ص) إليهم يأمرهم فيها بالجلاء، لسوف يزيد من يأسهم، ويضاعف من تخوفاتهم، وهو يمثل ضربة روحية موفقة ساهمت في المزيد من إضعاف معنوياتهم، وجعلتهم يراجعون حساباتهم بجدية، ثم يرضخون للأمر الواقع.

ثانياً-تحقيق أسباب النصر

للنصر شروطه الموضوعية ومنها: الصبر، والتقوى، والشجاعة، والثبات، والاستعداد، والأخذ بأسباب القوة، وإطاعة القيادة الإلهية الحكيمة، التي كانت متمثلة في ذلك الزمان بشخص الرسول الأكرم(ص)، وحسن التوكل على الله عزّ وجلّ. فالمسلمون انتصروا في بدر حينما كانت الشروط الموضوعية بحسب منطق سنن التاريخ تفرض أن ينتصروا. ولم ينتصر المسلمون في أُحُد؛ لأنهم خالفوا شرطاً أساسياً من شروط النصر، وهو إطاعة القيادة الإلهية الشرعية الحكيمة. والقرآن لم يقل بأن رسالة السماء خسرت المعركة في أُحُد بعد أن كانت ربحت المعركة في بدر، فرسالة السماء فوق مقاييس النصر والهزيمة بالمعنى المادي، والذي يُهزم هو الإنسان حتى لو كان مؤمناً؛ لأنه خاضع للسنن الكونية التي أجراها الله تعالى على عباده في هذه الحياة الدنيا.

أضف إلى ذلك أن ليقظة القائد الفذ وتنبهه للأمور ورصدها بدقة ووعي، ولقدرته على استشراف المستقبل، دوراً كبيراً في إحكام الأمور، وفي ترسيخ قواعد الحكم والحاكمية، ثم في إبعاد الأخطار عن المجتمع الذي يرعاه، وحسن تدبير شؤونه . وعلى هذا الأساس، نستطيع أن نتفهم بعمق ما نشهده من مبادرات متكررة للرسول الأعظم(ص) لضرب أي تجمع أو تحرك ضد المسلمين قبل أن يشتد عوده، ولا يعطيه أي فرصة ليتماسك ويقوى ويستفحل أمره . وذلك لأن الانتظار إلى أن تحتشد جموع الأعداء معناه أن يواجه المسلمون صعوبات كبيرة وربما خطيرة للتخلص من شرهم وتفويت الفرصة عليهم . وهذا ما يفسر لنا ما نجده من رصد دقيق من قبل المسلمين لكل القوى المعادية التي كانت معنية بالوجود الإسلامي في بلاد الحجاز، ثم نعرف سر السرعة التي كان يظهرها المسلمون في ردة الفعل.

لقد قسَّم النبي(ص) أموال بني النضير بين المهاجرين ليرفع مؤونتهم عن الأنصار، إذ كانوا قد قاسموهم في الأموال والديار، قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾(8). فقد كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله(ص)، لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت خالصة لرسول الله (ص) حبساً لنوائبه، ولم يخمسها(9)، ولم يسهم فيها لأحد . وقد أعطى ناساً من أصحابه، ووسَّع على بعض الناس منها . وكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع(10) والسلاح، عدة في سبيل الله عزّ وجلّ(11). ونقول : لو صح ذلك من فعل النبي(ص)، فإنه يكون تبرعاً منه(ص) بما هو له. قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(12).

ثالثاً- موقف بعض المستشرقين من حادثة بني النضير

أ ـ تفهّم آرمسترونغ لسلوك محمد (ص) تجاه بني النضير

أما فيما يتعلق بحادثة بني النضير فتتفهَّم آرمسترونغ تصرف النبي (ص)، بل تسوِّغه قائلة: «في الواقع لم يكن كبير حاجة لتحذير الوحي، فقد كان بعض أفراد بني النضير يريدون أن يثأروا لمقتل الشاعر كعب بن الأشرف.. جرَّب اليهود التفاوض مع محمد (ص) للتوصل إلى تسوية، لكن ابن أُبَيْ وجد فيها فرصة ممتازة لـه للقيام بمحاولة أخرى للخلاص من محمد (ص)، فأخبر اليهود أنه سيضم قواته إلى قواتهم إذا كانوا على استعداد للخلاص من المسلمين، فانسحب بنو النضير إلى قلعتهم وراقبوا المسلمين وهم يحيطون بهم، وانتظروا مجيء ابن أُبي وجماعته كي يُخَلِّصوهم، لكن شيئاً من هذا لم يحدث.. بعد مضي أسبوعين أعلن محمد(ص) أن ليس باستطاعته الانتظار لمدة أطول فأمر بقطع نخيلهم، فكان ذلك بمثابة إعلان الحرب الشاملة، فأرعب ذلك اليهود الذين استسلموا لـه متوسلين أن يبقي على حياتهم فوافق محمد(ص) على ذلك شرط مغادرتهم الواحة حالاً.. لم يكن مركز محمد يتحسَّن في المدينة فحسب، بل كان المدُّ قد بدأ يتحوَّل لصالحه في بقية الجزيرة(13).

ب ـ رأي ولفنسون في الحرب على بني النضير

المستشرقون ينكرون صحة رواية ديَّة القتيلين، ومحاولة اغتيال الرسول(ص) عبر رمي الصخرة عليه، ويستدلون على ذلك بعدم وجود ذكر لها في سورة الحشر التي نزلت بعد إجلاء بني النضير. ونجيب على ذلك من خلال الآتي:

1. إنَّ الدِّيَّة على القاتل أو على عشيرته، وإن كان لا بد من التوسع فعلى عشيرته ومن حالفهم بناء للوفاء بالعهد.

2. إنّ النبي (ص) كان الوفي دائماً سواء مع اليهود أو مع غيرهم، وهذا ما صرَّحوا به مراراً، أضف أن القرآن يوحي بالوفاء بالعهد ويؤكّد عليه بقوة، والرسول(ص) هو القرآن الناطق والإنسان الكامل، ولا يخالف تعاليم الإسلام، فلماذا ينقض العهد معهم الآن وهو الصادق الأمين؟

3. أنه لو نقض عهداً بدون مسوِّغ لثارت ثائرة الجميع في البلاد العربية، سواءً العرب المشركين أو اليهود، حيث كان الرسول(ص) مستهدفاً إعلامياً ومراقباً بدقة، وأعداؤه ينتظرون منه أي هفوة أو خطأ يتناقض مع تعاليم الإسلام وشريعته التي أتى بها، بل حتى المسلمون لم يكونوا ليرضوا بذلك. ولكننا لم نرَ أثراً لذلك لا في الشِّعر ولا في النثر ولا في المراسلات. وإنما هو مجرد تشكيك يخالف سير الوقائع .

4. أضف إلى ذلك أن التاريخ أنصف اليهود ولم يكن متحاملاً عليهم، بل إنّ اليهود أنفسهم لم يدَّعوا أن النبي(ص) ظلمهم ونقض العهد معهم. ومن المفيد أن نذكر أن تاريخنا الإسلامي لم يُخْفِ الحقائق والوقائع، بل حكى سقطات الخلفاء واجتهاداتهم المصيبة والخاطئة وسياساتهم مع الإنسانية وضدّها .

ويطرح ولفنسون إشكالاً آخر على ما ورد في المصادر التاريخية الإسلامية في شأن هذه الحادثة قائلاً: "لو سلَّمنا بصحة هذه الرواية، فإننا لا نجدها كافية لإشهار الحرب على جميع بطون بني النضير، إذ نعلم من نصِّ المعاهدة الكبيرة بين الرسول (ص) واليهود، أنَّ كل جرم من جهة فرد أو عدة أفراد يقع عقابه على فاعليه وأهل بيتهم دون أن يمسَّ غيرهم بشيء من الأذى"(14). ونجيب على ذلك بالآتي:

1. إنَّ هذا البطن موجود في حصن بني النضير، وإنّ اليهود تشاوروا فيما بينهم قبل أن يحاولوا اغتيال الرسول(ص).

2. ثم إنَّهم تحصنوا في حصونهم وواجهوا المسلمين، وقالوا للرسول(ص): افعل ما شئت، ولم يطرحوا عليه تسليم الجناة على فرض أنهم كانوا مجموعة أفراد فقط، ولم يستنكروا هذا الفعل القبيح وهذه الخيانة الكبيرة، والراضي بعمل كفاعله.

3. ثم إنَّ النبيَّ(ص) أجلاهم أي رحَّلهم فقط، وسلب منهم أسباب الحرب، ولم يقتلهم، على الرغم من قدرته على فعل ذلك.

ويحاول ولفنسون أن يسوِّغ عمل اليهود وخياناتهم بطريقة أخرى بقوله: إنّ ضرورات الحرب أباحت للأُمم استعمال الحيل والأكاذيب والتوسل بالخدع والأضاليل للتغلب على العدو. ونقول: إنَّه لو صح ذلك فإنه مُسوِّغ مع العدو وليس مع الحليف والصديق الذي عقدت معه المعاهدات .

ج ـ المستشرق وات وقصة بني النضير

أما وات فيشير إلى الحدث المهم ويعتبر أن ادِّعاء محمد (ص)، بأنه تلقى إنذاراً من السماء بأنَّ النضير كانت تتآمر للغدر به بإسقاط حجر على رأسه وهو جالس إلى الحائط، غامض ولا يشكِّل دليلاً على خيانة يهود بني النضير الذين أُهينوا من قبل محمد (ص) عندما اتُّهموا بمحاولة قتله، حيث كانوا يعدّون له الطعام وهو يستريح مع أصحابه وظهورهم إلى حائط أحد بيوتهم . وأن بني النضير كانوا على استعداد لإعطاء جوابٍ مرضٍ، ولكنَّ محمداً استنفر وذهب دون أن يعرف أحد السبب واتهمهم بمحاولة قتله دون دليل، وطلب منهم أن يغادروا المدينة تحت طائلة الموت في مدة عشرة أيام على أن يحتفظ اليهود بملكية نخلهم وبأخذ نصف المحصول .

وعندما رفض اليهود أن يخضعوا لمطالب النبي(ص) حاصرهم خمسة عشر يوماً، وهم ينتظرون مساعدة عبد الله بن أُبي الذي وعدهم بمحاربة محمد (ص)، ولكنه لم يفِ بوعده. زد على ذلك أن المسلمين بدؤوا بقطع النخيل فأعلن بنو النضير عندئذٍ أنهم على استعداد للخضوع للشروط المطلوبة سابقاً، غير أن النبي (ص) استغلَّ فرصة خضوعهم لـه وفرض عليهم شروطاً أشدَّ وأقسى، فأوجب عليهم التخلي عن أسلحتهم، وأن لا يأخذوا شيئاً من محصول النخيل، فاضطروا للقبول أيضاً(15). ولربما فكَّر محمد بأن على اليهود أن يدفعوا أكثر مما يدفعه متوسط سكان المدينة، فراق لليهود أن يدفعوا أقل(16).

ونلاحظ أن هذا الباحث يريد أن يوحي لقرَّائه أيضاً بأنَّ كعب بن الأشرف قد قُتِلَ مظلوماً أيضاً، وأنَّ المسلمين قد عاملوه بقسوة لا يستحقها. وهل يستطيع أي نظام حكم غربي يدعي لنفسه الحضارة والرقي في هذا العصر، قد اطلع على سلسلة خيانات ابن الأشرف، ومواقفه الظالمة، وسعيه الحثيث للإيقاع بالمسلمين، أن يحكم على أمثال كعب بن الأشرف ويجازيه بأقل مما حكم عليه به المسلمون، وجازوه به؟! ثم يتابع هذا المستشرق، بمزيد من التجني، كلامه عن ذكر إرسال النبي(ص) إليهم يأمرهم بمغادرة المدينة، تحت طائلة الموت في مدة عشرة أيام، على أن يبقى نخلهم لهم ويحتفظوا بنصف المحصول، فيقول: "إن هذا الإنذار لا يتناسب مع الإهانة، أو الادعاءات الغامضة، بصدد خيانة مقصودة". ويرد عليه:

1. إنَّ المستشرق يعتبر أن الوحي الذي نزل على محمد (ص) هو ادعاء غامض، على الرغم من أنه يعرف جيداً سيرة محمد المشهور بالصدق والنزاهة والأمانة والوفاء بالعهد.

2. إنَّ من المعروف أيضاً، وبحسب الآراء السائدة آنذاك في شبه الجزيرة العربية، أنه إذا سنحت الفرصة المناسبة لاغتيال النبي(ص) لانتهزها أعداؤه وقتلوه، خصوصاً بعد عملية اغتيال كعب بن الأشرف.

3. ونتساءل هل أن النبي(ص) كان يطلب من بني النضير، دفع شيء لم يكونوا ملزمين بدفعه؟! وهل أنَّ بني النضير وقعوا ضحية أطماع مالية لا مسوّغ لها، ولا يصح مطالبتهم بها لا واقعاً ولا أخلاقياً؟! وهل أن اليهود مظلومون، ومع ذلك فقد استسلموا لهذا الظلم وأعلنوا أنهم على استعداد لإعطاء جواب مرض؟!

4. إننا نتساءل عن حجم الإنذار الذي يتناسب برأي المستشرق مع إهانة اليهود للنبي(ص) وخيانتهم له ونقضهم للعهد ومحاولة قتلهم إياه . ثم لماذا اعتبر هذا الباحث: أن ما يذكره النبي(ص) والمسلمون من تفصيلات وافية عن خطط اليهود ومواقفهم، وخيانات بني النضير وتآمرهم، ونقضهم العهد، مجرَّد ادعاءات؟! في الوقت الذي لم يستطع اليهود أن يدفعوا التهمة عن أنفسهم، ولا حاولوا ذلك ولو مرة واحدة. هذا كله، عدا عمَّا تقدم من أن أخبار المؤامرة والخيانة التي قد وصلت إلى المسلمين أيضاً عن طريق بعض اليهود أنفسهم.

باحث في الشريعة والقانون الدولي(*)

هوامش

(1) سورة البقرة، الآية: 191.

(2) سورة المنافقون، الآية: 8.

(3) أي السلاح.

(4) محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك 2: 226.

(5) سورة الحشر، الآية: 5.

(6) المتقي الهندي، كنز العمال15: 35، مؤسسة الرسالة بيروت، 1409هـ -1989م.

(7) وهذا ما يفسر لنا الاهتمام الكبير الذي أولاه سبحانه لموضوع قطع النخل، حتى لقد خلَّده في آية قرآنية كريمة. فإن القضية كانت أكبر من بني النضير وأخطر، حسبما أوضحناه. راجع مرتضى، جعفر، الصحيح من سيرة النبي الأعظم(ص) 8: 124- 125.

(8) سورة الحشر، الآية: 8.

(9) ودعوى تخميسها لا تصح، فإن الثابت هو أنها لم تفتح عنوة، وأنها مما أفاءة الله على رسوله، والفيء لا يُخَمَّس، وإنما تُخَمَّس الغنيمة المأخوذة عنوة في الحرب .

(10) الكراع: الخيل .

(11) النووي، شرح مسلم12: 70، دار الكتاب العربي، بيروت، 1407 هـ - 1987 م.

(12) سورة الحشر، الآية: 6.

(13) كارين آرمسترونغ، الإسلام في مرآة الغرب: 226 - 227.

(14) مونتغمري وات، محمد في المدينة: 178-179.

(15) مونتغمري وات، محمد في المدينة: 321-324.

(16) مونتغمري وات، محمد في المدينة: 322.

اعلى الصفحة